يُروى أنّ رجلًا نافذًا في البلد كان له صبيٌ لا يترك شيئًا تقع عليه عيناه إلا وسرقه ، كل أهل البلد يعرفون أفعاله ، ووالده يعرف أكثر منهم ، بل كان ينتفع بما يسرقه الصبي ويغض الطرف عن جرائمه كأنه لا يرى ولا يسمع ، وحين ضاق الأهالي ذرعًا ، قبضوا على الصبي متلبسًا وجاؤوا به إلى والده ، يومها لبس الرجل ثوب البراءة الكاملة ، وأنكر معرفته بكل سوابق ابنه ، وتعهد بكل وقار بأنه سيكبحه ، ويمنعه من الاعتداء على الناس من اليوم فصاعدًا ، وكأنه يسمع لأول مرة بما يفعل.
هذه الحكاية هي صورة طبق الأصل من تصريحات الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب حول السودان ، في سلسلة تصريحاتٍ أثارت الكثير من الجدل ، خرج ترامب ليقول إنّ ولي العهد السعودي شرح له ما يجري في السودان ، وإنه بحسب روايته ، لم يكن يعلم بحقيقة الأوضاع قبل هذا الإيضاح من ولي العهد ، لم يكتفِ بذلك ، بل وصف النزاع بأنّه جنوني وخارج عن السيطرة ، معلنًا أنّ واشنطن ستبدأ العمل على الملف السوداني بعد هذا التنبيه السعودي.
هذه التصريحات التي جاءت وكأنها مشهد من مسرحية سياسية رديئة ، لا يمكن فهمها إلا في إطار الاستهبال السياسي ، فكيف يمكن لرئيس دولة تمتلك أكبر منظومة استخبارات في العالم ، ولديها عيون وملفات تتابع السودان منذ فجر الأزمة ، أن يدّعي الجهل بمايجري في السودان ، وكيف يمكن لواشنطن التي كانت على علمٍ بكل التفاصيل ، منذ أن كانت الأزمة مضغة قبل أن تتخلّق إلى جنيّن ، أن تنتظر من يخبرها بما يحدث.
أمريكا التي منحت الإمارات الضوء الأخضر للتدخل في الشأن السوداني ، وباركت أدوارًا سلبية عمّقت الجراح ، لا تستطيع أن تمرّر على أحد رواية البراءة المصطنعة ، وما قاله ترامب ليس سوى محاولة جديدة لإعادة تموضع واشنطن في لحظة سياسية معقدة ، تحاول فيها كل الأطراف اللعب على حبال المصالح.
ورغم كل ذلك فإن على السودان أن يتعامل مع الطرح الأمريكي بنوعٍ من الذكاء السياسي ، فالتغيّر في خطاب واشنطن ، مهما بدا متناقضًا ، يمثل نافذة يمكن الاستفادة منها ، لكنّ التعاطي الإيجابي لا يعني إطلاقًا إرخاء القبضة العسكرية ضد المليشيا ، فالمعادلات الدبلوماسية لا تتغيّر إلا حين يتغيّر ميزان القوة في الميدان ، ولا يمكن للسودان أن يقدم أي تنازل يمس جوهر المعركة.
يجب أن تكون رؤية السودان للسلام واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ،
لا مكان للمليشيا في مستقبل البلاد ، ولا لمن وقف معها أو دافع عنها ، ولا لتحالف صمود الذي يحلم بالعودة إلى الكرسي ولو فوق أشلاء أبناء السودان ، هذا التحالف الذي لم يجف مداد تصريحات ترامب حتى خرج مرحّبًا بها ، وواصفًا إياها بدعمٍ لجهود الرباعية ، يعيش وهم العودة دون أن يدرك أن الشارع السوداني يراهم والمليشيا ملة واحدة لا فرق بينها.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل البلاد دون التوقف عند الدور الإماراتي ، فالإمارات التي أسهمت بصورة مباشرة في إشعال الحرب ، عليها أن تتحمل مسؤولية جبر الضرر ، لأن أي تسوية لا تُعيد للسودانيين حقوقهم لن تكون سلامًا ، بل مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس قبل انفجار جديد .
تصريحات ترامب لا تغيّر شيئًا في الحقيقة الراسخة ، السودان يعرف جيدًا من نصره ومن خذله ، ومن سعى لسلامه ومن أراد تمزيقه ، وما بين الاستهبال السياسي والتلاعب الدولي ، يبقى الحل في يد السودانيين وحدهم ، قوة على الأرض ، وثبات على المبدأ ، ورؤية لا تساوم على الوطن ولا على دماء أهله.
مهما طال الطريق ، سيستعيد السودان عافيته ، لأن أبناءه هم من يصنعون خلاصه ، وليس تصريحات ترامب ولا دهشة واشنطن المصطنعة…لنا عودة.
