الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة ترامب… والاستهبال السياسي في الملف السوداني

يُروى أنّ رجلًا نافذًا في البلد كان له صبيٌ لا يترك شيئًا تقع عليه عيناه إلا وسرقه ، كل أهل البلد يعرفون أفعاله ، ووالده يعرف أكثر منهم ، بل كان ينتفع بما يسرقه الصبي ويغض الطرف عن جرائمه كأنه لا يرى ولا يسمع ، وحين ضاق الأهالي ذرعًا ، قبضوا على الصبي متلبسًا وجاؤوا به إلى والده ، يومها لبس الرجل ثوب البراءة الكاملة ، وأنكر معرفته بكل سوابق ابنه ، وتعهد بكل وقار بأنه سيكبحه ، ويمنعه من الاعتداء على الناس من اليوم فصاعدًا ، وكأنه يسمع لأول مرة بما يفعل.

هذه الحكاية هي صورة طبق الأصل من تصريحات الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب حول السودان ، في سلسلة تصريحاتٍ أثارت الكثير من الجدل ، خرج ترامب ليقول إنّ ولي العهد السعودي شرح له ما يجري في السودان ، وإنه بحسب روايته ، لم يكن يعلم بحقيقة الأوضاع قبل هذا الإيضاح من ولي العهد ، لم يكتفِ بذلك ، بل وصف النزاع بأنّه جنوني وخارج عن السيطرة ، معلنًا أنّ واشنطن ستبدأ العمل على الملف السوداني بعد هذا التنبيه السعودي.

هذه التصريحات التي جاءت وكأنها مشهد من مسرحية سياسية رديئة ، لا يمكن فهمها إلا في إطار الاستهبال السياسي ، فكيف يمكن لرئيس دولة تمتلك أكبر منظومة استخبارات في العالم ، ولديها عيون وملفات تتابع السودان منذ فجر الأزمة ، أن يدّعي الجهل بمايجري في السودان ، وكيف يمكن لواشنطن التي كانت على علمٍ بكل التفاصيل ، منذ أن كانت الأزمة مضغة قبل أن تتخلّق إلى جنيّن ، أن تنتظر من يخبرها بما يحدث.

أمريكا التي منحت الإمارات الضوء الأخضر للتدخل في الشأن السوداني ، وباركت أدوارًا سلبية عمّقت الجراح ، لا تستطيع أن تمرّر على أحد رواية البراءة المصطنعة ، وما قاله ترامب ليس سوى محاولة جديدة لإعادة تموضع واشنطن في لحظة سياسية معقدة ، تحاول فيها كل الأطراف اللعب على حبال المصالح.

ورغم كل ذلك فإن على السودان أن يتعامل مع الطرح الأمريكي بنوعٍ من الذكاء السياسي ، فالتغيّر في خطاب واشنطن ، مهما بدا متناقضًا ، يمثل نافذة يمكن الاستفادة منها ، لكنّ التعاطي الإيجابي لا يعني إطلاقًا إرخاء القبضة العسكرية ضد المليشيا ، فالمعادلات الدبلوماسية لا تتغيّر إلا حين يتغيّر ميزان القوة في الميدان ، ولا يمكن للسودان أن يقدم أي تنازل يمس جوهر المعركة.

يجب أن تكون رؤية السودان للسلام واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ،
لا مكان للمليشيا في مستقبل البلاد ، ولا لمن وقف معها أو دافع عنها ، ولا لتحالف صمود الذي يحلم بالعودة إلى الكرسي ولو فوق أشلاء أبناء السودان ، هذا التحالف الذي لم يجف مداد تصريحات ترامب حتى خرج مرحّبًا بها ، وواصفًا إياها بدعمٍ لجهود الرباعية ، يعيش وهم العودة دون أن يدرك أن الشارع السوداني يراهم والمليشيا ملة واحدة لا فرق بينها.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل البلاد دون التوقف عند الدور الإماراتي ، فالإمارات التي أسهمت بصورة مباشرة في إشعال الحرب ، عليها أن تتحمل مسؤولية جبر الضرر ، لأن أي تسوية لا تُعيد للسودانيين حقوقهم لن تكون سلامًا ، بل مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس قبل انفجار جديد .

تصريحات ترامب لا تغيّر شيئًا في الحقيقة الراسخة ، السودان يعرف جيدًا من نصره ومن خذله ، ومن سعى لسلامه ومن أراد تمزيقه ، وما بين الاستهبال السياسي والتلاعب الدولي ، يبقى الحل في يد السودانيين وحدهم ، قوة على الأرض ، وثبات على المبدأ ، ورؤية لا تساوم على الوطن ولا على دماء أهله.

مهما طال الطريق ، سيستعيد السودان عافيته ، لأن أبناءه هم من يصنعون خلاصه ، وليس تصريحات ترامب ولا دهشة واشنطن المصطنعة…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات