﴿وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
قصة العالم وحكمة التاريخ
في تاريخٍ حافلٍ بالدروس، يُروى أن عالمًا شابًّا وُضع أمام هولاكو التتري، الطاغية الذي أراد اختبار حكمته وفطنته، حاملاً معه بقرة وتيسًا وديكًا، سائلاً:
“ماذا تمثل هذه المخلوقات؟”
أجاب العالم الشاب بحكمة تتجاوز الزمن:
“البقرة تمثل الشعوب الصابرة التي تُسلب حقوقها لكنها تظل صامدة،
والتيس رمزٌ لمن يتسلّقون على حساب الضعفاء مستغلين قوتهم،
والديك رمزٌ لمن يظن أن صراخه يوقظ الشمس بينما قوته الحقيقية محدودة.”
تفاجأ هولاكو، وأدرك أن الحكمة والحق أقوى من السيف، وأن من يمسك بالحق بعقلٍ راجحٍ وإدارةٍ متزنة، يكون المنتصر رغم الظلم.
واليوم، من الفاشر إلى طويلة والدبّة، نرى النسخة الحية من هذه القصة في واقعنا السوداني:
أطفالٌ جائعون، نساءٌ منهكات، رجالٌ يحاولون حماية ما تبقّى من كرامتهم، وأيادٍ تمدّ الخير حيث تستطيع.
وسط كل هذا، يبرز الجيش الوطني السوداني صاحب الشرعية، الحامي للأرض والعرض، الساهر على حماية المدنيين، والسلاح الحق في يد من يحمي العدالة والضمير، وليس الباطل أو السلطة الشخصية.
وهنا تتجلّى الحقيقة: القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في من يُمسك به بحق وشرعية وضمير، ويقاتل دفاعًا عن شعبه وأرضه.
فالسلاح بلا ضمير يُخرّب، أما حين يكون بيد الجيش الوطني، فهو درع العدالة وسيف الحق الذي لا يُغمد إلا بعد أن يعيد الحقوق لأهلها.
كل خطوة على الطريق الطويل من الفاشر إلى الدبّة وطويلة، وكل عين تراقب المعاناة، تذكّرنا بأن الحق يدوم والعدل ثابت، وأن من يقاتل بالحق لا يُهزم.
✦ رثاء إلى أحبّتي ✦
من الفاشر صرخةٌ تهتز كالرعد في الأفق،
ومن طويلة والدبّة، أرواحٌ على الرمال تُحسب.
عينٌ تبكي على ضياع الحق،
ويدٌ تمتد رغم الألم، تحمل الأمل في الصدر.
فالعدل ميزان الحياة، والحكمة سيف البقاء،
ومن يمسك بالحق في يده، فهو المنتصر رغم الظلم والجفاء.
✦ تاريخٌ يتكرّر ✦
وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل مكان، من الفاشر إلى كل ربوع السودان،
حين يواجه الظالمون شعبًا أنهكه الجوع والحرب، ويظنون أن السيف وحده يضمن النصر.
لكن كما وقف العالم الشاب أمام هولاكو — لا بالسيف ولا بالقوة، بل بالحنكة والحكمة —
فإن الحق اليوم لا يموت، والعدل لا يضيع، مهما طال الظلام ومهما تجبّر الطغاة.
البقرة والتيس والديك ليست رموزًا في حكايةٍ قديمة، بل انعكاسٌ لواقعنا:
شعوبٌ صابرة تُنهكها الحروب والجوع لكنها لا تفقد الإيمان،
ومن يتسلّقون المناصب على حساب الضعفاء،
وصرخاتُ من يظنون أن سلطتهم تُنير العالم، بينما يطفئون الضمير.
القوة بلا حكماء لا تجلب إلا الخراب،
والظلم مهما امتلك سلاحًا، فزواله آتٍ،
أما الحقّ، إذا أدارته الحنكة والضمير، فهو المنتصر في النهاية.
من الفاشر إلى طويلة والدبّة، ومن كل زاويةٍ في الولاية الشمالية،
هناك وجوهٌ بلا مأوى، وأطفالٌ بلا طعام، ونساءٌ تتشبّث بأملٍ خافت،
وأيادٍ لا تكلّ عن مساعدة بعضها رغم الخطر والحصار.
وما يحدث اليوم في الوطن كله، هو درسٌ لكل من يظن أن القوة تعني السيطرة:
إن إدارة الموقف بحكمة، وصون الحق، والاعتراف بمعاناة الناس،
هي أعظم قوة، وهي السبيل لحفظ الأرواح، وإيقاظ الضمير، وتحقيق العدالة.
للوافدين من الفاشر، المنهكين في طويلة والدبّة،
ولأرواح السودان كلها التي تعيش على حافة الهاوية:
ليكن صوتنا موحدًا، وإدارتنا للموقف حكيمة، وصبرنا شعلةً لا تنطفئ،
لأن العدل والحق هما الميزان الذي سيعيد الحياة إلى كل بقعةٍ مظلومة في الوطن،
والوحدة القوية دون تفرقة هي طريق الخلاص.
✦ الوضع الإنساني للوافدين من الفاشر ✦
الآلاف من الوافدين من الفاشر وصلوا سابقًا ومؤخرًا إلى طويلة والدبّة، منهكين، حفاةً، وأجسادهم تنطق بالجوع والعطش.
كل خطوةٍ على الطريق الطويل كانت رحلة صراعٍ مع الموت والظروف القاسية.
التقارير الميدانية تؤكد:
سوء تغذيةٍ حاد بين الأطفال والحوامل.
نقص أدويةٍ ومحاليل ضرورية.
بعض الأسر تعيش أيامًا على الماء وحده بعد نفاد الغذاء.
الجهود الرسمية موجودة، لكن الحاجة تفوق الإمكانيات،
والمأساة الإنسانية تتطلب تدخلًا مباشرًا.
وأي دعم، سواء من متطوعين أو رجال برٍّ صادقين، يخفف عنهم وطأة الطريق،
لكنه لا يُغني عن الإدارة الوطنية الحكيمة للموقف.
✦ نداء استغاثة عاجل إلى حكومة إقليم دارفور ✦
إلى حاكم إقليم دارفور، الفل مارشال مني أركو مناوي، والحكومة الإقليمية:
نُهيب بكم التدخل الفوري لإرسال فرقٍ ميدانية عاجلة لمتابعة أوضاع الوافدين من الفاشر في منطقتي الدبّة وطويلة،
والذين تعذّر الوصول إليهم بشكل مباشر، مع استخدام كل الوسائل المتاحة لتقديم المساعدة.
ليس الهدف فقط متابعة الوصول، بل توفير المساعدة الضرورية والمستمرة في الغذاء والعلاج والمأوى.
فما يجري الآن من معاناة يجاوز حدود التحمل، ويتطلّب تحركًا مباشرًا من حكومة الإقليم بكل أجهزتها،
لضمان وصول الحق والعدل لكل نازح، وحماية أرواح الأبرياء في كل مكان.
✦ رسالة استغاثة إلى وزيرة التنمية والرعاية الاجتماعية ✦
إلى معالي وزيرة الرعاية الاجتماعية في السودان:
نناشدكم تفعيل الخطط الطارئة لتقديم الدعم الكامل للوافدين من الفاشر في الدبّة وطويلة،
حيث الظروف الإنسانية صعبة للغاية.
يرجى التركيز على النقاط التالية:
- توفير الغذاء والماء والأدوية بشكل عاجل ومنتظم.
- تأمين خيام الإيواء والبطانيات للأطفال والنساء والمسنين، وخصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء القارس في هذه البقعة تحديدًا، في الولاية الشمالية.
- تفعيل فرق حماية الأطفال والنساء وربط المفقودين بخطط التأهيل والدعم النفسي.
- ضمان العدالة في توزيع المساعدات لمنع أي استغلال أو ظلم.
إن سرعة الاستجابة ليست رفاهية، بل قضية حياةٍ أو موت لكل نازح،
وكل تأخيرٍ قد يكلف أرواحًا جديدة.
✦ خطوات عاجلة لإنقاذ الوافدين ✦
- إعلان حالة طوارئ إنسانية قصوى وتشكيل غرفة عمليات مشتركة تشمل كل القوى الوطنية.
- فتح ممرات إنسانية آمنة لتأمين وصول القوافل دون مخاطر.
- نشر فرق طبية متنقلة لحماية الأطفال والنساء وربط المفقودين بخطط الحماية والتأهيل.
- توفير مخزون طوارئ فوري من الغذاء والمياه والخيام والبطانيات بالتنسيق مع المنظمات، مع توزيع عادل وشفاف.
- رقابة مدنية وإعلامية على توزيع المساعدات لضمان النزاهة ومنع الاستغلال.
✦ رسالة إلى المجتمع الدولي ✦
إلى العالم الذي يشاهد ولا يتكلم،
إلى المنظمات الكبرى التي ترصد الأرقام ولا ترى الوجوه،
إلى من يجلسون على طاولات المؤتمرات يتحدثون عن “الوضع الإنساني”
بينما الأطفال هنا يموتون من الجوع والعطش:
هذه ليست أرقامًا في تقرير، بل أرواحٌ بشرية تتساقط بصمتٍ في أرضٍ اسمها السودان.
من الفاشر إلى طويلة والدبّة، هناك شعبٌ يبحث عن حقه في الحياة، عن لقمةٍ تُبقيه، وغطاءٍ يحميه، وصوتٍ يُنصفه.
نحن لا نطلب صدقة، بل حقًّا في البقاء،
وواجب الإنسانية أن تتحرك قبل أن يصبح الصمت الدولي عالةً علينا، والآن شريكًا في الجريمة.
✦ الخاتمة ✦
سلامٌ وأمانٌ فالعدلُ ميزان
توقيعي لا يُنسى –
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
أنا امرأةٌ من حبر النار.
عبير نبيل محمد
