بعد (925) يوماً من اندلاعها لم تعد الحرب في السودان مجرّد صراع داخلي بين جيش وتمرّد، بل غدت مرآة تكشف وجوهًا كثيرة كانت تتخفّى وراء الأقنعة. فها هي الحقائق تتساقط تباعًا، وتتكشّف الخيوط واحدةً تلو الأخرى، لتؤكد أنّ ما يجري على أرض السودان ليس بريئًا من تدخل الأيادي الخارجية التي تتخفّى تحت شعارات زائفة.
لقد ظلّت الإمارات العربية المتحدة تُقدّم دعمها للمليشيا المتمردة علنًا، متحدّيةً العالم أجمع، غير آبهةٍ بمواثيق ولا قوانين، تمدّ المتمردين بالعدة والعتاد، وتفتح لهم الأجواء والموانئ، في مشهدٍ لم يعد خافيًا على أحد.
لكن الأخطر من الدعم الإماراتي المكشوف، هو الدعم الأمريكي المستتر الذي تجلّى مؤخرًا في العثور على منظومة تشويش أمريكية الصنع بمطار نيالا، وضعتها أيادٍ لا تعرف من القيم إلا ما يخدم مصالحها. لم يكن ذلك الاكتشاف صدفةً، ولا يمكن تفسيره إلا في سياق واحد أن واشنطن تمارس لعبتها القديمة – دعم الفوضى ثم التباكي على استقرار المنطقة.
إنّ ما يسمى بـ الرباعية الدولية لم يكن سوى تمثيلية باهتة، أُخرجت بإتقانٍ لتغطية الدور الحقيقي الذي تلعبه بعض الأطراف في تأجيج الأزمة. رباعيةٌ تتحدث باسم “السلام”، بينما تسلّح المتمردين وتدعم الفوضى بيدٍ أخرى. إنها ازدواجية المعايير في أقصى صورها، ونفاقٌ سياسي لم يعد ينطلي على أحد.
لقد كشفت هذه الحرب، مع مرور الأيام وتبدّل المواقع، عن تعرّي القيم وسقوط الأقنعة، وعن تحالفٍ غير مقدّسٍ بين المال والسلاح، بين من يرفعون شعار الديمقراطية ومن يزرعون الخراب في أرضٍ آمنة.
إنّ الشعب السوداني، الذي صمد في وجه المليشيا، يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن معركته لم تعد فقط ضد خونة الداخل، بل ضد منظومة عالمية ترى في السودان ساحة لتصفية الحسابات ومسرحًا لتجريب أدوات النفوذ والهيمنة.
ولعلّ اكتشاف تلك المنظومة الأمريكية في نيالا هو رسالة من القدر تقول بوضوح: “لقد انكشف المستور”. فما عادت واشنطن قادرة على إخفاء بصماتها، ولا الرباعية قادرة على تمويه دورها.
وما عاد في الساحة إلا جيشٌ وطنيٌّ يقاتل بصدقٍ، وشعبٌ يميّز بين من يدافع عن وطنه ومن يبيعه في المزاد .Elhakeem.1973@gmail.com
