الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتمن موريتانيا .. صوت الضمير السوداني يهزُّ صمت العالم.. بقلم/ د. إسماعيل...

من موريتانيا .. صوت الضمير السوداني يهزُّ صمت العالم.. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم


إن التقدم في زمن التقهقر والخيانة في زمن الصدق خيبة لا تقدر بثمن.. ففي زمنٍ تهاوت فيه القيم، وخفتت فيه أصوات الضمير، وارتجف فيه الحق أمام جبروت الباطل، يبقى الدفاع عن أهل الفاشر وبارا واجبًا لا يسقط عن أحد، ومسؤوليةً لا يُعفى منها ضميرٌ حيٌّ ولا قلبٌ نابض بالإنسانية. فهناك، في الفاشر وبارا وكادوقلي وبابنوسة، تُكتب مآسٍ لا يَحتملها وجدان حي، وتُرتكب جرائم بحق النساء والأطفال والشيوخ لا تستوعبها العقول ، ويتم ذلك تحت سمع العالم وبصره، بينما يلوذ الجميع بالصمت وكأن الإنسانية قد فقدت آخر أنفاسها.
لكن من بين هذا الركام من التجاهل، ومن فوق منصّة عربية في موريتانيا، جاء صوت سوداني مجلجل، صادق النبرة، نقيُّ القصد، يحمل في حروفه غضب المظلومين وأنين الجياع وآهات الثكالى. إنّه صوت وزيرة البيئة السودانية الأستاذة منى علي محمد، التي ألجمت وزراء البيئة أحجاراً وهي تستنهض ضمائرهم، وتُحيي فيهم ما مات من المروءة، وتذكّرهم بأن البيئة ليست شجرًا وماءً فحسب، بل إنسانٌ يُباد وحقٌّ يُنتهك وكرامةٌ تُداس.
في دقائق معدودات، قالت منى علي ما عجزت عن قوله البيانات المطوّلة، وما لم تجرؤ عليه المنصات المزيّفة. خاطبت القلوب قبل العقول، وصرخت باسم السودان في وجه الصمت العربي، فاهتزَّ الفضاء الأثيري لكلماتها، وارتجف العملاء الذين لا يعرفون معنى للوطن. فقد كانت كلماتها مرآة لوجع السودان وأيقونة لشجاعة المرأة السودانية، التي تأبى أن تكون شاهدة على الجريمة وهي قادرة على أن تكون صوت الحق.
ولعل السؤال الذي طرحته ضمناً واهتز الضمير الإنساني كله ، ما قيمة البيئة بغير الحفاظ على إنسانها؟ وأي معنى لحديثنا عن الغابات والمناخ والتوازن الطبيعي، إن كان الإنسان نفسه يُقتل بلا ذنب ويُهجّر بلا مأوى ويُعذب بلا جريرة ؟؟
إن الدفاع عن أهل الفاشر وبارا ليس دفاعاً عن قضية محلية، بل قضية وجود وكرامة. هو امتحانٌ لإنسانيتنا جميعاً. فكل سوداني اليوم مدعوّ لأن يحمل دوره في هذه المعركة متعددة الميادين فالميدان لم يعُد ساحة القتال وحدها، بل ميدان الكلمة و ساحة الموقف والمساندة وغيرها
فمن لا يستطيع أن يحمل سلاحاً، فليحمل قلماً، ومن لا يملك ذانك فالدعاء حسبه فليدعُ، ومن له منبرٌ فليجعل صوته جسرًا للحق لا ستارًا للصمت.
ولقد علمتنا الأحداث أن السودان لا يُكسر، وأن الفاشر وبارا ستبقيان رمزًا للصمود وشهادة على أن الباطل مهما تمدّد، فله نهاية، وأن الحقَّ مهما تأخر، فله عودة.
فالسودان، بعزم بنيه وقوة جيشه وتوكله على الله، قادر على تجاوز محنته واستعادة مجده، وسيظل، كما كان، أرضاً للكرامة، وموطناً للرجال الذين لا يعرفون الانكسار. بإذن الله تعالى
فسلامٌ على منى علي، صوت الضمير السوداني الحر، التي جعلت من كلمةٍ موقفاً، ومن لحظةٍ تاريخاً، ومن صدقٍ قليلٍ فعلاً عظيماً.
وسلامٌ على أهل الفاشر وبارا، الذين يصنعون من الألم بطولة، ومن الصبر انتصاراً، ومن الحصار أملاً لا ينكسر. Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات