تقول لك الرباعية صالح ياالبرهان ولكن على ماذا نصالح على رماد المدن التي كانت تبتسم كل صباح، فصارت اليوم صحراء جرداء سوداء من الخراب؟
على وجوه الأطفال التي كانت تلهو بالطباشير، فصارت تكتب أسماء موتاها وجرحاها على الجدران؟
على الوطن الذي صار خيمة يتناوب عليها المسيرات و الريح والموت؟
كيف تُطلب المصالحة ونحن لم نجد بعدُ حتى عظام الذين سُحقوا تحت الركام؟
كيف نُصافح اليد التي أشعلت النار في بيوتنا، ونهبت مصانعنا، وكبّلت حلمنا في القيود وقتلت أكبادنا واغتصبت حرائرنا ؟
على ماذا نصالح؟
على ستمائة وخمسين مصنعًا كان صدى آلاتها يُغني للحياة، فصارت أطلالًا تصفر فيها الرياح؟
على اثنين وعشرين بنكًا نُهبوا أمام أعين الناس والتاريخ؟
على مئةٍ وخمسين ألف محل تجاري دمرت و سُلبت أرزاقهم، وذُبح التجار في الأسواق كالأضاحي؟
على ألفين وخمسمائة صيدلية كانت تصنع الدواء فصارت تبيع الدموع والألم ؟
على ماذا نصالح؟
على القصر الجمهوري الذي صار جدارًا محترقًا بلا علم ولا هيبة؟
على المتاحف التي ضاعت فيها ذاكرة الوطن وتاريخ الامة؟
على المشافي التي تحولت إلى مقابر للأحياء؟
على الجامعات التي صمتت فيها منابر العلم، بعد أن كانت منارات للفكر والنهضة؟
على ماذا نصالح؟
على مئةٍ وعشرين ألف مدنيٍ قُتلوا بدمٍ بارد، دون تمييزٍ بين طفلٍ وشيخٍ وامرأة؟
على عشرين ألف حالة اغتصاب، طعنةٌ في شرف الوطن قبل أن تكون في جسد النساء؟
على المزارع التي احترقت، والماشية التي نفقت، ومصافي البترول التي صارت رمادًا أسود؟
على ذهبٍ نُهب من خزائن الدولة كأنه غنيمة حرب؟
على شعبٍ شُرّد، بين نازحٍ ولاجئٍ يبحث عن وطنٍ في المنافي؟
على مليون بيتٍ نُهب أمام صمت العالم وتخاذل الضمير؟
على دمار فاشر السلطان
وخراب بارا ومقبرة الجنينة التى دفنت فيها قبيلة المساليت
فقل لي بربّك،
على ماذا نصالح؟ ولماذا نصالح؟
هل نصالح على الدموع التي لم تجف بعد فى أعين امهات الشهداء؟
هل نصالح على ذاكرةٍ محروقةٍ، وعلى جرحٍ لم يلتئم للجرحي؟
هل نمد يدًا وُضعت على الزناد بالأمس، لتُطلق النار على صدورنا اليوم ؟
إن المصالحة ليست كلمة تُقال في مؤتمر، ولا وثيقة تُوقّع على ورق.
المصالحة هي عدالةٌ تُقام، وحقٌ يُردّ، ودمعةٌ تُجفف بصدقٍ لا بخداع.
المصالحة هي أن يعود الوطن إلى ذاته، لا أن يُرغم على العفو وهو ينزف.
لا تصالح حتى لو منحوك الذهب ..لا تصالح
نعم، نحن شعبٌ يؤمن بالغفران،
لكننا لا نغفر قبل أن نُعرف من الذي ذبح ومن الذي صمت،
من الذي خان ومن الذي صمت
نصالح؟ على ماذا؟
على أحلامنا التي اغتُصبت في وضح النهار؟
على علمٍ أُهين، ونشيدٍ صمت؟
على كرامةٍ وطأتْها أقدام المليشيات؟
لا، لن نصالح حتى يُقال للظالم أنت ظالم،
وللمجرم أنت مجرم، وللمغتصب انت اغتصبت
وللشهيد أنت الخالد الباقي في ذاكرة الأرض والسماء. لن نصالح حتى من يصالحهم
نحن لا نكره السلام،
لكننا نكره السلام الكاذب الذي يُعاد فيه تدوير الجريمة القذرة بثوبٍ جديد. نكره الغدر والخيانة
نكره أن يُقال لنا: انسوا ما فات.مافات مات
كيف ننسى وقد صار الماضي حاضرًا في كل وجهٍ يتمزق جوعًا، وفي كل عينٍ تبحث عن مفقودها؟ وكل ام عن مولودها
على ماذا نصالح؟
على وطنٍ ذُبح ثم طُلب منه أن يبتسم؟
على نهرٍ من الدم يريدون أن يمرّ تحته قطار السياسة والنخاسة والنجاسة؟
لن نصالح إلا حين تُغسل الأرض من الدم بالدم ، لأنها جرائم تابى االنسيان.
لن نصالح إلا حين يُرفع الظلم، وتُعاد الكرامة، وتُبنى المصانع من جديد بأيدٍ نظيفة شريفة عفيفة.
لن نصالح حتى تعود العدالة وطنًا، والوطن عدالة.لن نصالح حتى تنمو شجرة الوطنية التى روتها دماء الشهداء وإلا تكون المصالحة خيانة للوطن والشهداء والجرحى والمفقودين
والله المستعان
عبدالشكور حسن احمد
المحامى
