الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةتقاريرفي زمن الحرب.. بالخرطوم أرامل يصنعن الأمل

في زمن الحرب.. بالخرطوم أرامل يصنعن الأمل

تقرير : انتصار فضل الله

سيدة آدم أرملة وأم لخمسة من الأطفال اكبرهم في الرابعة عشر من العمر هربت من منزلها إلى مدينة الثورة غرب امدرمان عندما اندلع الصراع في الخرطوم في منتصف أبريل 2023م
خوفا من اشتداده

واجهت سيدة وعمرها ٤٧ عاما معاناة بالغة بعد استشهاد زوجها في أول يوم للحرب فلم تكن تملك ما يعينها سوى الاعتماد على أشقائها الثلاثة لتوفير لقمة العيش لكنهم قتلو جميعا بعض مضي شهر من الحرب

وقفت حائرة بلا دليل أو معين ولاستمرار الحياة دخلت في مجال صناعة الأطعمة وبيعها في طرقات المدينة الآمنة “كرري” غير أن السلطات المحلية هناك كانت لها بالمرصاد من خلال الملاحقات ومنع العرض في الطرق خوفا من وصول الصراع إلى المدينة في أي وقت

لم تصمد أمام هذا التحدي وأطفالها يشكون الجوع واصلت عرض المأكولات من داخل المنزل وتعهد فاعل خير لم تذكر اسمه بشراء كل ما تصنعه وتوزيعه على المحتاجين في مناطق الصراع الا انه توفى جراء مرض مفاجئ

أصبحت سيدة حائرة أمام قضيتها والقتال يشتد يوما تلو الآخر ازداد معه فرار المسؤولين وإغلاق الدوائر الحكومية حينها نشطت إحدى المنظمات الوطنية “منظمة دعم الأرامل” في حصر الارامل
اللاتي خلفتهن الحرب عبر توزيع رابط الانضمام عبر تطبيق “واتساب” فطرقت هذا الباب وحظيت باهتمام ورعاية رغم الظروف القاسية وشح إمكانيات المنظمة

خضعت لتدريب مكثف في صناعة العطور السودانية بدعم من المنظمة التي وفرت القليل من مواد الصناعة بداية تمكنت من تسويق المنتج في نطاق ضيق جدا لكنها اليوم أصبحت رائدة في مجال صناعة العطور، اكتسبت سيدة مهارات إضافية إنتشلتها من دائرة الفقر إلى دائرة الإنتاج وأصبحت سيدة عائلة لأسرتها

تقول انها لم تتلغى دعم حكومي منذ بداية الحرب وحتى اليوم وتناشد بضرورة الاهتمام بالأرامل زوجات الشهداء المشاركين في محاور القتال.

في بازار معني بعرض منتجات متنوعة أقيم داخل صالة دار الأسرة بامدرمان اتخذت إيمان حسن ٣٥ عاما “أرملة” ام لتوامان “بنت – ولد” موقعها أمام “منضدة” وهي تشرف على العروض باعتبارها مالكة “البازار”

تارملت إيمان بعد زواجها بعام في 2018م؛ وهي يتيمة فقدت والديها منذ الصغر ترعرت في منزل خالتها التي توفت أيضا، دفعتها صعوبات الحياة لتقديم تمويل من أحد المصارف فانشات مشروع “حضانة” لرعاية الأطفال، لكنها فقدت كل ما تمتلك إبان الحرب التي شردتها وطفليها في رحلة نزوح مجهولة المصير لتجد نفسها تقيم في دار إيواء بواحدة من الولايات السودانية

عادت إيمان بعد توقف القتال في الخرطوم إلى منزلها وقامت بعمل مشروع حلويات وعرضه في بازار لواحدة من سيدات الأعمال حصدت من ورائه مكاسب كثيرة من هنا انطلقت نحو ريادة المال والأعمال بتنظيم” بازار خاص بها عنوانه” بازار الأرملة ” الذي أظهرها في المجتمع لتجد جهات راعية لكل مشاريعها حتى أصبحت من الأرامل الصامدات اللاتي يشار لهن بالبنان ونموذج يحتذى به

” صمود رغم المحن”

لم تنتهي قصص نجاح الأرامل عند سيدة وايمان فهذه
حميراء كباشي عمرها 40عاما توفى زوجها في 2020 تاركا في رعايتها أربعة طفلات فوجدت نفسها مسؤولة من توفير المال لسداد قيمة إيجار المنزل الذي تسكنه ولقمة العيش والعلاج لبناتها

هموم وحزن عميق سيطرا على حياتها دون حيلة فكرت في صناعة “الكسرة” وهي وجبة سودانية وتوزيعها على المطاعم والمحلات التجارية القريبة تمكنت من خلق سوق مصغر لمنتجها مكنها من عدم مد يدها للناس، عندما جاءت الحرب فقدت العمل والمنزل الذي اصابته قذيفة هدمته فاضطرت للنزوح، من ثم عادت مؤخرا لتحرس منزلا في مدينة الثورة غرب وعملت في تجهيز الريحة النسائية المعروفة لكنها أصيبت بحادث تسبب لها في إعاقة اقعدتها داخل المنزل وحولها بناتها اكبرهن في التاسعة عشر من العمر؛ رغم ذلك استمرت في تجارتها إلى جانب انها خضعت لتدريب اون لاين في جانب الإسعافات الأولية وأصبحت تحقن نفسها بالدواء المخصص لها وتقوم بتركيب الدربات للمحتاجين من الجيران

قالت حميراء ل”المجد نيوز ” انها انتصرت على الهزيمة وقاومت من أجل الحياة ورسمت الفرح والأمل في وجه بناتها ولم تحوجهم لشيء بالعزيمة والإصرار والتحدي وأضافت أن منظمة دعم الأرامل السودانية ملكتها صناعة في اليد بالخبرة فأصبحت متعددة المشاريع في مجالات “الايسكريم – البخور – الكسرة – صناعة الصابون والخبائز” وصارت منزلها معلوم لكل من يحتاج منتجاتها

عفراء إبراهيم أرملة يبلغ عمرها ٢٥ عاما كانت تنعم بحياة آمنة مستقرة مع أسرتها المكونة من الزوج وسبع من الأبناء، حظيت بفرصة عمل مرموقة في شركة هندسية ولكن فجأة وجدت نفسها بدون عمل بدون عائل بدون مال؛ مشردة من مكان لآخر همها توفير لقمة تسد بها جوع أبنائها الصغار ووالدتها وشقيقتها التي تشكو مرض السكر

عندما تضع عفراء رأسها فوق الوسادة يمر عليها شريط مؤلم من حياتها لحظة نقل خبر وفاة زوجها في معتقلات الدعم السريع، تتساءل في صمت ماذا ناكل غدا؟

عفراء تسولت بين المحلات التجارية في منطقة الكلاكلة بالخرطوم قبل أن تنزح إلى كرري باعتبارها المنطقة الوحيدة التي لم تشهد صراع طويل
وجدت عفراء مطعم عملت في مجال تقديم الطلبات للزبائن لحظتها أدركت أن الوضع اختلف تماما رغم ضيق الفرص الاقتصادية تمكنت من جمع المال الذي ساعدها مع مرور الوقت في استئجار محل متواضع حولته لمركز تجميل بشارع الوادي والان تدير مشروعها الذي يضم أكثر من ثمانية خبيرات في مجال تجهيز العرائس

“ظاهرة واسعة النطاق “

لم تقتصر ظاهرة الأرامل المعيلات والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه بعضهن على ولاية الخرطوم بل هي ظاهرة موجودة في كل ولايات السودان كما توجد قصص نجاح كثيرة في مدن بالولايات لا أمل تحدين الصعاب وحققن المستحيل وعبرن فوق أمواج البحر المتارجخة من هذا المنطلق ذكرت تقارير صادرة عن وكالة السودان للأنباء “سونا” أن عدد الأرامل في السودان قبل الحرب بلغ 8393 أسرة؛ ووفقا لمعلومات تفصيلية تحصل عليها “المجد نيوز ” من منظمة دعم الأرامل السودانية ومقرها الخرطوم ان المنظمة سجلت 350 ارملة قبل الحرب بالولاية وان التسجيل استمر حتى أول يوم في الحرب حيث فاق العدد 400ارملة ؛ وفي ظل الصراع تضاعف عدد الأرامل المسجلات رسميا عبر رابط المنظمة فبلغ 860 أرملة هذا غير الأرامل اللاتي لا يمتلكن تطبيق واتساب و أخريات متواجدات في مناطق نائية عجزت المنظمة في الوصول إليهن ةتسجيلهن

القانونية هويدا حاج أحمد رئيسة المنظمة ارملة منذ 23عاما مرت خلالها بالعديد من المشاكل فأصبحت قريبة من معاناة الأرامل تشعر بمشاكلهن وحوجتهن تقول ل”المجد نيوز” تجمعهم كارامل منذ سنوات علاقة وتواصل عبر القروبات قامت بإنشائها وسميت باسم “قروبات الأرامل” وهي واحدة من الآليات التي ساعدتها في حصر الارامل من عمر 16 – 70.عاما بمختلف محليات الخرطوم بالتالي معرفة الظروف والمشاكل المحيطة بكل واحدة واحتياجاتها

وأضافت هويدا وهي أم لأربعة أبناء تخرجوا من الجامعات أن القروبات التي أنشأتها في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت كيان يربط الأرامل مع بعضهن البعض؛ قادها ذلك للتفكير في إنشاء منظمة باسم “منظمة دعم الأرامل السودانية” والتي هدفت لتمليك الأرامل مشاريع تفتح لهن أبواب الرزق وتقودهن لبر الأمان

تواصل انها وبدعم ذاتي تمكنت من تدريب و تأهيل ببعض الأرامل على مشاريع إنتاجية بتمويل كامل حتى تغطي الأرملة احتياجات أسرتها دون الحاجة لغيرها جاءت فكرة المشاريع بعد توقف الكفالات الشهرية التي كانت تقضي شيئا لارامل ما قبل الحرب جراء ظروف وإحداث الصراعات وضعت الأرامل في حيرة مما أثر عليهن وعلى الأسرة والأيتام بالتالي جاءت فكرة تمليك الأرملة مشروع تحت شعار الأرملة سند نفسها

تقول هويدا انها وقفت على تدريب أنشئت أكثر من 300 أرملة على المشاريع الإنتاجية مثل المعجنات والخبائز والعطور تعبيءة التوابل المسحونة صناعة الصابون وغيرها وأنها ملكت بعض الأرامل مشاريع أخرى بسيطة تعينهن في حياتهن في مجال صناعة ” الطعمية والزلابية والفطائر”

أشارت هويدا أن المنظمة تقدم التمويل وفقا لأكثر حوجة وذكرت من المشاريع التي نفذت في الحرب تدريب وتخريج 120 أرملة على صناعة العطور السودانية والمعجنات والخبائز وصناعة الفحم الحجري واصبجن اليوم ضمن الأسرة المنتجة
وأضافت أن المنظمة وفرت لهن المواد الخام

التمويل واحد من التحديات التي تواجه المنظمة التي تعتمد على التمويل الذاتي واليسير من بعض الأفراد والأصدقاء الداعمين الأرملة، ومن أجل الاستمرار نفذت المنظمة مؤخرا مشروع اسمة صندوق المشاريع لمن يرغب يتم فيه جمع المال من الأرامل العاملات ويقسم نهاية الشهر لارملتين الأكثر حوجة لتحصل كل واحدة 500 الف جنيه سوداني شرط أن يصب الصرف في مشروع آخر تراه ناجحا مشروع الصناديق من المشاريع الناجحة التي ساهمت في التمويل الزاتي على أساس أن تدعم الأرملة نفسها بعد نجاح مشروعها وتتحول داعمة الأخريات ؛ وأشارت لصندوق يومي يتم من خلاله جمع مبلغ محدد يوزع على 50 ارملة وأضافت أن هذه المشاريع الناجحة سميت بالمشاريع ذات تمويل الزاتي

“أدوار حكومية “

لم تصدر إحصائيات حديثة من وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم الجهة الحكومية المعنية بفيئة الأرامل تنص صراحة على عددهن في الولاية ولكن وبحسب معلومات نشرت في وسائل إعلامية محلية فإن وزارة التنمية الاجتماعية في الخرطوم أعلنت أنه تم تمليك 700 أرملة مشاريع إنتاجية بالمحليات المختلفة في الولاية كجزء من دورات تدريبية ‏لتعزيز قدرات الأرامل وإدماجهم اقتصاديًا، واتخذت خطوات الايام الماضية لتوزيع وحدات سكنية بين الأرامل المشمولات بالحماية الاجتماعية، حيث صُدقت على 135 وحدة سكنية مخصّصة لهذه الفئة كما أنها أعلنت عن فتح حسابات بنكية لعدد من الأسر المستفيدة من الدعم النقدي المباشر في دفعية شهر مارس 2025م، لكن لا يُذكر فيها كم من هذه الأسر أرامل تحديدًا.

وخلفت الحرب التي اندلعت في السودان إعداد كبيرة من الأرامل ولم تتوفر أرقام وبيانات تبين العدد الحقيقي في الخرطوم قبل وبعد الحرب منذ أبريل 2023 وحسب المعطيات اشارت دراسات إلى ارتفاع كبير في عدد القتلى بالولاية خلال الحرب، مما يعني بالتبعية أن أشخاصًا من عائلات هؤلاء قد تحوّلوا إلى أرامل ووفقا لتقرير صادر من London School of Hygiene & Tropical Medicine يُقدّر أن أكثر من 61,000 شخص ماتوا في ولاية الخرطوم خلال أول 14 شهرًا من الحرب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات