مع اقتراب فصل الخريف، يتساءل الشارع السوداني، بقلقٍ ممزوجٍ بالحذر، عن أسباب الصمت العسكري الذي يخيم على مسارح العمليات المتقدمة في كردفان ودارفور ، عدا طلعات الطيران الحربي والطيران المسير ، ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تُحسم معارك العزة والكرامة قبل أن يشتد المطر وتتشعب الطرق، تزداد التساؤلات هل نحن بصدد تهدئة تكتيكية استعداداً لمعركة الحسم، أم أن وراء هذا الهدوء تسويات في الظلام تعيد إنتاج المأساة بوجوه أكثر مراوغة.
هناك من يطرح السؤال بإشفاق، أن هذا الهدوء قد يكون ثمرة لتفاهمات سرية تُدار خلف الأبواب المغلقة، تقودها أطراف أجنبية، على رأسها الحكومة الأمريكية والسعودية، بإيعاذ من الإمارات، وبعض شركائها من أحزاب “قحت” التي تفرّعت إلى منصات ومسميات لا تعد ولا تحصى، حتى انتهى بها المطاف إلى “جناح صمود” ومنصة “تأسيس” التي أسستها المليشيا في نيروبي لتكوين حكومة موازية تحت لافتة تحالفات جوفاء.
لكنّ تصريحات عضو مجلس السيادة الفريق ياسر حسن العطا، في حواره الأخير مع صحيفة الكرامة، وضعت النقاط على الحروف، إذ أكد أن الدولة ماضية في اجتثاث المليشيا كهدف استراتيجي لا رجعة فيه، نافياً وجود أي تسوية أو مهادنة تُبقي على الكيان الذي مزّق النسيج الوطني، وهتك الأعراض، ونهب الممتلكات، وفتح البلاد أمام المرتزقة والدمار.
مليشيا الإبادة لا تعرف السلام، منذ لحظة تمردها في أبريل 2023، اتخذت المليشيا نهجاً عدائياً ممنهجاً تجاه المواطنين، حيث ارتكبت أبشع الجرائم في العاصمة الخرطوم والجزيرة وسنار ، بدءاً من القتل الجماعي، مروراً بالاغتصاب، وانتهاءً بالسرقة والنهب العلني للمؤسسات والمنازل وحتى المستشفيات. وعندما تمددت غرباً، حملت معها ذات السلوك الدموي، حيث شهدت نيالا والجنينة والفاشر وزالنجي وكتم ومليط نماذج مرعبة من الانتهاكات الموثقة، راح ضحيتها آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ.
لا يختلف الحال كثيراً في مناطق سيطرتها الحالية، إذ يتحدث الفارون من تلك المناطق عن واقع لا يقل مأساوية عن جرائم النازية ، اعتقالات تعسفية، عمليات تجنيد قسري، نهب للمساعدات الإنسانية، وفرض الإتاوات، مع تصاعد تجارة السلاح والمخدرات برعاية مباشرة من أمراء الحرب.
أما عن التحالف مع “قحت” والإمارات ، فهو بمثابة زواج الدم والمصلحة ، إذ لم يكن بمستغرب أن تتحلق بقايا قوى “قحت” حول المليشيا، فمنذ سقوط النظام السابق، ظلّت هذه القوى تتعامل مع الأمن القومي كغنيمة سياسية، وسعت إلى اختطاف القرار الوطني بكل وسيلة ، وعندما اندلعت الحرب، فضّلت تلك القيادات الارتماء في حضن مليشيا الدعم السريع، تارة عبر صمت مشين، وتارة عبر منصات تدّعي “الحياد”، بينما كانت تعمل من تحت الطاولة لتبرير جرائم الحرب والترويج لأكاذيب المليشيا.
وفي الخلفية، تبرز دولة الإمارات كأكبر الداعمين للمليشيا، سياسياً وعسكرياً ولوجستياً، عبر خطوط إمداد وتهريب السلاح والمرتزقة، وعبر محاولات حثيثة لإعادة تدوير المليشيا في المشهد السياسي، حتى لو اقتضى الأمر تصفية إرادة الشعب.
وعن فرص مقبولية المليشيا في الواقع السوداني ، صفر وطني كبير ومادونه ،
رغم كل ما يُروّج له إعلام المنصات الناطقة باسم المليشيا، فإن الشارع السوداني، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، لم يعد يرى في هذه المليشيا إلا رمزاً للموت والانهيار والعمالة، فالمواطن الذي رأى بيته يُنهب أمام عينيه، أو فقد زوجته أو ابنته في جريمة اغتصاب جماعي، أو ذاق مرارات النزوح واللجوء، لا يمكن أن يقبل يوماً أن يرى القاتل شريكاً في الحكم أو صانع سلام.
كما أن المرتزقة الأفارقة الذين جلبتهم المليشيا، من تشاد والنيجر ومالي، ارتكبوا فظائع تركت ندوباً غائرة في الذاكرة الجمعية، ولا تزال أصوات اللاجئين من الجنينة ودارفور تصرخ في ضمير العالم، أن لا مكان لهذه العصابة في مستقبل السودان.
ما يبدو الآن كهدوء قد لا يكون إلا هدوء ما قبل العاصفة. والمرحلة المقبلة، بحسب ما ورد في تأكيدات الدولة، هي مرحلة الحسم لا التفاوض، ومرحلة تصفية المشروع المليشياوي بالكامل، مع كشف الغطاء عن المتورطين من السياسيين والعملاء، وبناء سودان جديد على أسس الشرف، والسيادة، والعدالة.
فالتاريخ لن يرحم، والشعب لا ينسى، والثورة الحقيقية لم تبدأ بعد…لنا عودة.