السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتنهر النيل تنزف. ...

نهر النيل تنزف. بقلم: عبير نبيل محمد

من لهيب الحرب خرجوا… يحملون بقايا حياة، وآمالًا واهية في مخيمٍ آمن، فكان في استقبالهم موتٌ لا يُفرّق بين شيخٍ وطفل، ولا بين امرأةٍ وجدار.
صباح الجمعة لم يكن كأي صباح… إذ دوّت السماء فوق عطبرة، وسقطت المسيّرات الانتحارية على محطة الكهرباء التحويلية بمنطقة المقرن، فتبعها انقطاع تام للإمداد الكهربائي عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر، واستُهدِف مركز الإيواء بمعهد السكة الحديد، وسقط على إثر ذلك (١١) شهيدًا و(٢٢) جريحًا من المدنيين.

هذا الهجوم لم يكن عشوائيًا… بل وصفته الجهات الأمنية بـ”الاستراتيجي”، لأنه طال البنية التحتية، وركز على المرافق الحيوية، وأصاب الوافدين الأبرياء من المتأثرين بالحرب، وخلّف دمارًا بالغًا في خيامهم وأجسادهم.
وفي خضم هذا الدمار، ارتفعت مواقف يُخلدها التاريخ… الوالي الدكتور محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون، تقدّم الصفوف، لم ينتظر التقارير، بل جاء بنفسه ليُواسي، ويُتابع، ويشدّ من أزر الناس، ومعه مدير جهاز الأمن والمخابرات العامة، اللجنة الأمنية، وقيادات من سلاح المدفعية والمحليات.

بصمته كانت أبلغ من الخُطب، ووقفته في المستشفيات والمشارح تقول: نحن هنا… بينكم، لكم، ومعكم.
ترحّم على الشهداء، ووجه بتسريع عمليات الإغاثة، ودعا إلى الالتفاف حول الوطن، وقالها واضحة: “من استهدف مركز الإيواء، استهدف أبرياء لا ذنب لهم”.

اللجنة الأمنية لولاية نهر النيل أكدت في بيانها أن الهجوم نفّذته مليشيا متمردة بمسيرات من طراز حديث، في محاولة يائسة لصرف الأنظار عن خسائرها العسكرية المتتالية، وما تتعرض له من ضغط ميداني في محاور القتال المختلفة، وهو استهداف ليس الأول من نوعه، بل الرابع الذي يضرب المحطة التحويلية ذاتها.

ورغم الجراح، كانت الولاية على قدر الألم…
القوات المسلحة كانت حاضرة، الشرطة، الدفاع المدني، المخابرات العامة، سلاح المدفعية، القوات المشتركة.. جميعهم شكّلوا صفًا واحدًا لحماية المتأثرين ومساندتهم، فمنهم من أطفأ الحريق، ومنهم من أسعف الجرحى، ومنهم من ثبّت الأمن ومنع الفوضى.

لقد حاولت المليشيا جرّ الولاية إلى العتمة والفوضى، لكن نور الصمود أبى أن ينطفئ، فالموت حين يستهدف الأبرياء لا يزيد الناس إلا إيمانًا بأن الحرب لم تعد خيارًا، بل قدرٌ لا يُواجه إلا بوحدة الصف.

واليوم، نُجدّد العهد لكل من فقدناهم…
أن دماءهم لن تضيع،
وأن نهر النيل وإن نزفت، فهي لا تنكسر،
وأن السيد الوالي لم يكن مسؤولًا صامتًا، بل رجلُ دولةٍ حاضرٌ في كل شبرٍ من الميدان.
وأن الأجهزة الأمنية كلها – بلا استثناء – كانت في خط الدفاع الأول، كما عهدناها.

كل هذا يجعلنا أكثر تمسكًا بوطنٍ واحد، بجيشٍ واحد، بصفٍ واحد، يقوده وعي الشعب لا شائعات الموت.
رحم الله الشهداء،
وشفى الله الجرحى،
وأبقى الله رجال هذا الوطن دروعًا في وجه الغدر.

نهر النيل تنزف… لكنها لا تُهزم.
سلام وأمان، فالعدل ميزان.


مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات