إقالة وزيري الخارجية والشؤون الدينية توضح بجلاء الطريقة العقيمة التى يدار بها الجهاز التنفيذي،وتظهر المدي البعيد للتقاطعات والتجاذبات وتبيانات الأفكار والرؤي والمصالح فيما بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء.
أكدنا فى أكثر من مرة إن طريقة إدارة الشأن السوداني التنفيذي منذ العام (٢٠١٩)مليئة بالكثير من “المنقصات والمهلكات”، نتيجة إستخدام سياسة قصر النظر وعدم تحريك قرنا الإستشعار للتنبوء بالمشكلات والمخاطر المختلفة،بغية تجنبها وتجاوزها أو تقليل خسائرها إلى أبعد حد ممكن إن وقعت المشكلة.
لم يقدم وزير الخارجية جديدا يضاف أو إختراقا دبلوماسيا وسياسيا يعتبر نصرا يوازي ماتحقق فى الميدان،وعلى الرغم من ذلك لاتتمثل المشكلة فى وزير الخارجية أو غيره،يبرز الإشكال الأكبر في الآتي:
- غياب الرؤية السياسية الواضحة للدولة،والتي بناءا عليها يتم تأطير النهج الدبلوماسي.
- عدم وجود حاضنة سياسية تحدد المرتكزات التى تستند عليها الدولة فى التوجه الداخلي والإقليمي والدولي،حال التفكير فى إنشاء أو تقوية التحالفات الإستراتيجية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية.
- “الوأد العمد” للبرلمان بشقيه كما فى دستور العام (٢٠٠٥)،ساهم بقدر كبير فى ضبابية العمل الدبلوماسي،إذ إن البرلمان هو الذي يرفض أو يوافق على الإتفاقات الثنائية بكل مسمياتها،ويعتمدها وفقا لخط قانوني معروف،هذا فضلا عن الخلل الأعظم الذي يظهر فى كل مرافق الدولة نتيجة غياب السلطة التشريعية الرقابية الأولي.
على سبيل المثال لا الحصر،من الذي يراقب تقرير المراجع العام،ومن الذي يجيز الميزانية ويراجعها ويعتمدها؟هل إطلع المواطن العادي منذ (٢٠١٩ )
على مايجري ويحدث للموازنة العامة من خلال وسائل الإعلام المختلفة التى تسلط الضوء على تقرير المراجع العام السنوي وتقتله بحثا وتنقيبا وتوضح أوجه القصور والخلل؟!. - بقاء الجهاز التنفيذي بدون رئيس وزراء منذ أن قدم العميل “حمدوك” إستقالته،وعمل الوزراء على سبيل التكليف لمدة قاربت الأربعة سنوات تقريبا،وهي سابقة لم ولن تحدث حتى فى الدول التي كانت خلف السودان لسنوات ضوئية بعيدة.
- هذا بالإضافة إلى خلل بائن لكل ذي بصيرة في أجهزة “القضاء والنيابة والإعلام وبنك السودان”،كونهم لم يتخذوا من القرارات الصارمة والحاسمة،التى كانت كفيلة بالردع لكل من تسول له التلاعب بأمن ومعاش المواطن السوداني،بعد مرور “سنتين”من حرب الكرامة تحدد النيابة والقضاء بدء محاكمة المجرمان القذران “حميدتي وعبدالرحيم”!،أنسب تعليق لمثل هكذا قرار الصمت والتعجب!!!.
تلك هي أبرز المشكلات والتعقيدات التى تجابه الدولة بعيد بروز مايعرف “بعورة ديسمبر” المشؤومة،وهي مشكلات كثيرة وتحتاج لجهد كثيف للحصر والتبيان،لكنها إجمالا تعتبر الأسباب “الغريبة الأطوار” لما يحدث من أخطاء جسيمة تصاحب عمل الجهاز التنفيذي،الذي ظل بعيدا كل البعد عن تحسس الهموم التي تحيط بالمواطن، ومن ثم العمل بإخلاص على إيجاد حلول جذرية لها.
قرار إقالة وزيري الخارجية والأوقاف لن يكون الترياق الناجع لحل مشاكل البلاد العصية،إلا إن أراد أهل السودان خداع أنفسهم ودفن الرأس فى رمل الفشل الذي يستحي منه الفشل!!.
تكمن المشكلة وبكل وضوح فى الهرم أو الهيكل القيادي العسكري الذي بيده زمام الأمر،كيف لهذا البلد أن يدار بطريقة -قطاع الطلاب أيام المؤتمر الوطني-،وهي إشراف عضو عسكري بالمجلس السيادي على عدد من الوزارات والهيئات تعمل تحت إمرته،إن رضي عنها سارت السفن كما المشتهي،وإن غضب أرغي وأزبد وكان الوزير هو كبش الفداء والضحية.
حدثونا عن أي دولة تدار الآن بطريقة -قطاع الطلاب التي يعرفها التيار الإسلامي جيدا-.ماهذه الغفلة التي يعيش فيها أهل السودان وهم يرون بلادهم تدار بطريقة “الشلة والجماعة والمزاج والمغنم” كما هو عليه الحال في الوزارات المخصصة لإتفاق سلام جوبا “الإنتهازي والإناني”،وهي وزارات لايجوز الإقتراب منها بالأقالة أو الإستقالة وكأنها أصبحت ملكا وحكرا على “جبريل ومناوي وأبونمو”!.
أبلغ بأهل السودان وعباقرته الذين عملوا الدول معني التخطيط والتطوير والمواكبة “الهوان” لهذا الحد وهم يرون هذا الكم الهائل والمريب من الأخطاء فى طريقة إدارة السودان ثم لايحركون ساكنا وكأن الأمر لايعينهم؟!ماهذا الوجوم الذي نري ونشاهد؟!.
لا يستطيع أحد أن يحجر على الناس توضيح رأيهم وبكل صراحة،تجاه الطريقة الغريبة التى تدار بها الدولة فى ظل تراكم للأخطاء القاتلة،التى تكاد تهزم النصر العظيم الذي حققه ويحققه الجيش والكتائب المساندة له فى الميدان.
تظل الحقيقة الماجدة أن الحديث عن الخلل الكبير المصاحب لأجهزة الدولة التنفيذية ماهو إلا سهم وطني مخلص يرمي فى كنانة الهم القومي البعيد عن الأجندة والتقاطعات،والرامي والهادف لرؤية السودان فى مصاف الدولة المتقدمة.
بفضل الله تعالي ،لامغنم مرجو من وراء النقد اللاذع إلا أن نري السودان علما يرفرف شاهقا حتى يبلغ الثريا.لذا فإنه يتعين على الناس الإستيقاظ من هذه “الوهدة” الخانعه التى هم فيها الآن،والعمل يدا واحده لأجل إخراج السودان من هذا الجب السحيق الذي كاد أن يجعلنا أثرا بعد عين نتيجة لتفشي أمراض الأنانية والإستغلال والجشع والطمع التى جاءت ملازمة لحالة غياب أو توهان الدولة ولغياب الوازع الديني والأخلاقي فى الكثير من الموقف الأخري التى نعرض لها فى حينها.
