ها هو الذكرى التاسعة والستين لإعلان استقلال السودان من الاستعمار البريطاني تعاود، ولايزال الوطن تئن بالتركات الاستعمارية. وما الأثار الكارثية التي ترتبت على الساحة السياسية والأمنية إلا للعجز الكبير للطبقة الصفوية في تحليل مكامن الضعف في أسلوب ممارسة الحكم الموروث من التاج الإنجليزي.
صنَّاع الاستقلال لهم ألف سلام وتحية في إنهاء التبعية الاستعمارية وابتدار ميلاد حكم وطني انتزعت به إعتراف عالمي في منظومة الأمم المتحدة، وهذا بلا شك يعد إنجازاً أولياً في سلم تأسيس الدولة بهويتها القومية، وإعلام الشعب السوداني والعالم بأسره بقدرة السودانيين على تقديم تجربة فريدة في الحكم الذاتي، والتوجه نحو البناء الحقيقي للدولة السودانية بمواردها وثرواتها الهائلة التي كان المستعمر متهماً بسلبها ونهبها، هذه حقائق لا يمكن التبخيس بشأنها.
بيد أن ذلك لا يحجر عن التفحيص والتمحيص في المشكلات التاريخية التي عصفت باستقرار البلاد منذ التمرد الأول للجنوبيين السودانيين في 1955م الذين كان مطلبهم الأساس محصور في تطبيق نظام الحكم الفيدرالي، وفقاً للتشريعات والدساتير المرتضى عليها والمجازة من السودانيين أنفسهم دون خرق يطالها من الحكومة المركزية، عدم تحقيق ذاك المطلب أشعل الشرارة الأولى في جسد الوطن مع غياب تام لمطفأة الحكمة لخمدها في مهدها الأول.
كان من الأجدر مراجعة قوانين المستعمر بالنقاش المستفيض نزعاً للألغام المزروعة في مفاصل الدولة مثلما فعلت الكثير من المستعمرات الأخرى بل استطاعت من التخلص منها بدعوة كل مثقفيها، وكياناتها السياسية والمجتمعية في وضع خارطة طريق يؤدي إلى استقرار ونماء الأوطان، وإذا ألقينا النظرة للدول الأفريقية وحتى الآسوية، مثل الهند نلتقط بأن طابع الاستدامة الأمنية والنمو الإقتصادي، والطفرات الكبيرة في البنية التحتية طاغية على هذه الدول لأنها وضعت الدواء الصحيح على الداء، في حين أدمنت الطبقة المستنيرة في السودان الأحاديث اللائمة للمشكلات السودانية للمستعمر، بينما يعيش الشعب السوداني الصادق حياة مماثلة لحياة سيزيف الذي حكم عليه تأديباً وأزلياً في عمل غير مجدٍ بدحرجة الصخرة صعوداً ونزولاً من قمة الجبل إلى القاع مراراً وتكراراً عقاباً للخداع الذي مارسه.
وتبرز مشكلة الهوية السودانية، وقضية الدين والسياسة، وعسكرة الحكم، وفيدرالية النظام، والعدالة الاجتماعية، من المشكلات التاريخية المتجذرة التي عجزت العقول الوطنية عن مخاطبتها خطاباً حقيقياً تستئصل فيه شأفة هذه المشكلات نهائياً، لذا لابد من القراءات الجيدة لتاريخ الحركة السياسية في السودان، والمتغيرات التي طرأت في الساحة السياسية والاستفادة من البحوث الأكاديمية والعلمية لإعادة بناء الوطن بمفاهيم جديدة تقضي على آفات التهميش والمهمشين، وخطاب الكراهية، وهذا لايتوج إلا بمشاركة جميع واجهات المجتمعات والكيانات السياسية لوضع حداً لهذا الوضع البائس.