الخميس, نوفمبر 5, 2026
الرئيسيةمقالاتسقوط حلف المراهنات على صخرة إيران

سقوط حلف المراهنات على صخرة إيران


عندما تتطابق مآلات السقوط السياسي لقادة طالما احتكروا إدارة الأزمات، تنجلي حقائق الاستراتيجيات العابرة للحدود عن عوراتها البنيوية. فسقوط دونالد ترامب وبنيامين نتياهو جاء ترجمة صريحة لقانون تاريخي لا يرحم؛ فمن يغرس أشواك الحروب العبثية، يحصد عواصف الغضب في صناديق الاقتراع. ففي قلب هذا التداعي المتزامن، برزت معركة إيران وملفاتها المعقدة كعقدة استراتيجية قصمت ظهر هذا التحالف، وحولت غطرسة القوة المفرطة إلى عبء انتخابي وثقل شعبي أطاح برؤوس ظنت نفسها عصية على السقوط.
لقد بنى ترامب ونتياهو مجديهما على حكاية العدو المطلق والقدرة الاستباقية على الحسم. إذ تحولت المواجهة مع طهران -بأبعادها النووية والجهوية وشبكة تحالفاتها- إلى وقود انتخابي وستار دخاني غطى لسنوات على الأزمات الهيكلية الداخلية لكليهما. في تل أبيب، استثمر نتياهو في التعبئة الوجودية، محولاً شبح المواجهة الشاملة مع إيران ووكلائها إلى أكسجين سياسي يضمن بقاءه فوق هرم السلطة. غير أن استنزاف الجبهة الداخلية، وتكلفة الغرور العسكري الذي عجز عن صناعة نصر حاسم، وضع الشارع الإسرائيلي أمام مرآة الواقع المر، حيث راكمت سياسات الحافة الهوجاء العزلة الاقتصادية والنفسية بدلاً من الأمن. وفي واشنطن، توهم ترامب وصقوره أن سياسة الضغط الأقصى كفيلة بتركيع الدولة الإيرانية دون أثمان استراتيجية فادحة. غير أن الارتدادات الاقتصادية، والتلويح بانزلاق العالم نحو صدمات طاقة كبرى، وفشل الرهان على تفكيك النظام الإيراني من الداخل، خلقت حالة تململ عميقة لدى الناخب الأمريكي الباحث عن الاستقرار والرخاء الاقتصادي لا عن حروب استنزاف مفتوحة.
ولم تقتصر ارتدادات هذا الصدام على الداخليْن الأمريكي والإسرائيلي، لكنها أسست لتحولات جيوسياسية كبرى قلبت معادلات النفوذ عالمياً. فإقليمياً، أثبتت جولات الاشتباك أن جغرافيا المشرق أوسع من أن تُدجن بمنطق الأساطيل والعقوبات؛ فقد تبلورت منظومة ردع متبادل جعلت أي مغامرة عسكرية ضد طهران ترتد بزلزال على المصالح الحيوية لحلفاء واشنطن. هذا الواقع أقنع النخب بأن سياسة الحلف المتهور تدير الأزمات ولا تحلها. أما دولياً، فقد أدت هذه السياسات إلى تآكل رصيد الثقة بالمؤسسات الدولية، ودفعت قوى كبرى منافسة لتعزيز تمردها على النظام المالي والأمني الأمريكي، لتتحول سياسات الحافة إلى خصم مباشر من رصيد الهيمنة الأمريكية.
إن إسدال الستار على مرحلة نفوذ ترامب وتهاوي زعامة نتياهو يؤذنان بمرحلة إعادة ضبط مصنع قاسية ومحفوفة بالمخاطر. حيث يواجه معسكر اليمين المتطرف أزمة هوية عميقة بعد سقوط الوهم القائل بأن حروب الاستعراض الخارجي قادرة دوماً على إنقاذ القادة من المحاسبة. وستبقى العودة المحتملة لترامب محكومة بنزعة براغماتية حذرة تتجنب الانزلاق نحو حروب واسعة مع إيران، بعد أن أثبتت التجربة أن ثمن المغامرات الكبرى يُدفع من الرصيد السياسي للقادة. أما في المأزق الإسرائيلي، فقد بات الكيان أمام مشهد تهشمت فيه الجبهات وتآكل الردع، وعجز الغطاء الخارجي عن حجب التناقضات البنيوية.
الحروب التي تُستدعى لأجل حماية الكراسي تتحول إلى مقابر سياسية لصانعيها. لقد أدرك الناخبون أن استمرار استنزاف الدماء والموارد في معارك بلا أفق استراتيجي لا يحمي الأوطان وإنما يدمر مقومات بقائها، فجاءت كلمة الصندوق لتنهي أوهام القوة المطلقة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات