الأربعاء, نوفمبر 4, 2026
الرئيسيةمقالاتالغباء الفاخر.. حين ترتدي الحماقة بدلة رسمية! ...

الغباء الفاخر.. حين ترتدي الحماقة بدلة رسمية! من سخرية كارل كراوس إلى حكمة السودانيين: «البيتفولح ليك، اتْبهّم ليه»

كتب/ د. الشاذلي عبداللطيف

من أعجب مفارقات الحضارة الإنسانية أنها استطاعت اختراع الذكاء الاصطناعي، لكنها عجزت عن اكتشاف علاج للغباء الطبيعي! والأدهى أن الغباء لم يعد عيبا يستوجب الخجل، بل أصبح في بعض المجتمعات صناعة مزدهرة، لها وزارات وهيئات ومؤسسات وشركات ومستشارون، وربما ميزانيات تفوق مخصصات البحث العلمي!

ولعل الساخر النمساوي الألماني اللغة كارل كراوس، الذي اشتهر بفضح تناقضات المجتمع وزيف الخطاب العام، لو جلس تحت شجرة نيم في أم درمان، وسمع الحكمة السودانية: «البيتفولح ليك، اتْبهّم ليه»، لأدرك أن الفلسفة الأوروبية احتاجت إلى مجلدات لتفسير ما اختصره السوداني في كلمات قليلة!

فكراوس يفضح الحماقة بالسخرية، والسوداني يستدرج الفهلوي بالتظاهر بعدم الفهم. الأول يرفع المرآة أمام الغباء، والثاني يتركه يتأمل نفسه حتى يقع في غرام عبقريته المزعومة!

الوزارات.. حين يصبح الفشل إنجازا وطنيا

في بعض الوزارات، لا تقاس النجاحات بما تحقق للمواطن، وإنما بعدد الاجتماعات واللجان والمؤتمرات الصحفية!

إذا تعثر مشروع، شكلوا لجنة. وإذا فشلت اللجنة، شكلوا لجنة لتقييمها. وإذا فشلت اللجنتان، أعلنوا إنشاء هيئة عليا للإصلاح المؤسسي!

وهكذا تتكاثر اللجان كما تتكاثر الأرانب، بينما يظل المشروع الأصلي ينتظر قرارا منذ سنوات!

والأطرف أن المسؤول قد يخرج ليعلن نجاح الخطة بنسبة مئة بالمئة، بينما المواطن لا يزال يبحث عن الخدمة التي وضعت الخطة لتوفيرها!

الهيئات والمؤسسات.. عبقرية التقارير الورقية

أما بعض الهيئات والمؤسسات، فقد أتقنت صناعة الإنجازات الورقية حتى أصبحت تقاريرها السنوية أكثر إشراقا من واقعها!

تجد المؤسسة تحتفل بتحقيق مؤشرات الأداء، بينما تتراجع الخدمات، وتتراكم الشكاوى، وتزداد المعاملات تعقيدا.

وإذا سألت عن النتائج، قدموا لك عرضا إلكترونيا بألوان زاهية ورسوم بيانية صاعدة، حتى يخيل إليك أن المؤسسة تدير اقتصاد العالم، لا مرفقا يعجز عن الرد على هاتف!

وهنا يصبح السؤال عن الحقيقة نوعا من سوء الأدب الإداري!

الشركات.. حين تصبح الفهلوة استراتيجية استثمارية

وفي بعض الشركات، يجلس المدير التنفيذي محاطا بالمستشارين، يتحدثون عن التحول الرقمي والحوكمة والابتكار، بينما تعجز الشركة عن تحصيل مستحقاتها أو تنفيذ التزاماتها!

إذا خسرت الشركة، وصفوا الخسارة بإعادة التموضع الاستراتيجي. وإذا انسحب العملاء، أعلنوا تطوير نموذج الأعمال. وإذا عجزوا عن دفع الرواتب، تحدثوا عن تحسين التدفقات النقدية!

أما مجلس الإدارة، فقد يعقد اجتماعا طارئا لمناقشة الأزمة، وينتهي الاجتماع بالموافقة على مكافآت الحضور!

وهكذا يصبح الفشل صناعة مربحة، بشرط ألا يتحمل المسؤول عنه تكلفته!

المجتمع الراقي.. حين تتفوق الألقاب على العقول

في الصالونات المخملية، حيث البدل الإيطالية والساعات السويسرية، قد تجد رجلا يحمل من الألقاب ما يكفي لتأسيس جامعة، لكنه لا يحمل من المعرفة ما يؤهله لاجتياز امتحان القبول فيها!

إذا تحدث صفقوا، وإذا تناقض وصفوا تناقضه بالمرونة الفكرية، وإذا أخطأ اعتبروا خطأه اجتهادا استراتيجيا!

أما العاقل الذي يسأل عن الدليل، فيصبح شخصا غير مرغوب فيه، لأنه ارتكب جريمة التفكير داخل مجلس مخصص للإعجاب!

الفلسفة السودانية.. عبقرية التظاهر بالغباء

هنا يتدخل الحكيم السوداني بابتسامة بريئة:

«والله يا سعادتك؟ وبعد داك حصل شنو؟».

ثم يترك الفهلوي يسترسل حتى تتعثر أكاذيبه في بعضها، وتصبح تصريحاته شاهدا عليه!

فالغباء المصطنع أمام المتعالم قد يكون ذكاء، لكن الصمت أمام الفساد والظلم ليس حكمة، بل مشاركة في صناعة الكارثة.

الخاتمة.. الهيئة العليا لمكافحة الغباء

أخشى أن يأتي يوم تعلن فيه الحكومة إنشاء هيئة عليا لمكافحة الغباء، فتتشكل لها أمانة عامة ومجلس إدارة ولجان فرعية، ثم تتعثر أعمالها بسبب المنافسة الشرسة على منصب الرئيس!

وقد تطلب الهيئة ميزانية إضافية لإعداد دراسة عن أسباب انتشار الغباء، ثم تستعين بالخبراء أنفسهم الذين أشرفوا على انتشاره!

إن أخطر أنواع الغباء ليس الجهل، وإنما اعتقاد الجاهل أنه أذكى من الجميع، خصوصا حين يمتلك سلطة وجمهورا يصفق له!

ولذلك، إذا صادفت مسؤولا أو مديرا أو مستشارا يعرف كل شيء، ولا يعترف بخطأ واحد، فلا تتعجل مناقشته.

طبق الحكمة السودانية: «البيتفولح ليك، اتْبهّم ليه».

أما الفهلوي الذي قرأ هذا المقال وظن أنني أقصد غيره، فسأتركه سعيدا باكتشافه العظيم!

فبعض الناس لا يحتاجون إلى من يفضحهم، وإنما إلى منصب رفيع، وميكروفون مفتوح، وميزانية بلا رقابة، وجمهور يصفق قبل أن يفهم!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات