–
حوار : انتصار
يرى الأمين السياسي لحركة المستقبل للإصلاح والتنمية، همام علي مصطفى، أن الحرب وما أفرزته من مواقف سياسية ستعيد تشكيل خريطة الأحزاب السودانية، معتبراً أن الشارع سيكون صاحب الكلمة الفصل في تحديد مستقبل القوى السياسية من خلال الانتخابات.
وينتقد مصطفى أداء الأحزاب، ويضع أزمتها في ثلاثة مستويات: الأفكار والممارسة والبرامج، داعياً إلى تجديد قياداتها وتمكين الأجيال الجديدة.
وفي حوار مع «المجد نيوز »، يدعو إلى حوار سوداني شامل لا يستثني أي طرف، ويرفض أن يتحول الحوار إلى عملية إجرائية لتقاسم السلطة والمناصب، مشدداً على ضرورة أن يكون تأسيسياً يعالج جذور الأزمات التي قادت إلى الحروب.
كما يتحدث عن شكل المرحلة الانتقالية، ومستقبل الحكم المدني، وأولويات الاقتصاد والخدمات وعودة النازحين وإعادة الإعمار.
نص الحوار
*كيف تتوقعون أن تؤثر الحرب ومواقف الأحزاب منها على مستقبل الحياة السياسية؟
-الشعب السوداني قادر على التمييز بين الأحزاب السياسية التي وقفت إلى جانبه في معركة الكرامة، وتلك التي لم تقف إلى جانبه بل لعبت دوراً سلبياً ضده.
وهذا سيكون عاملاً أساسياً في تحديد فاعلية الأحزاب ودورها خلال الفترة المقبلة بعد الحرب.
وحتى إذا بقيت هذه الأحزاب بأسمائها، فإن تأثيرها سيتضاءل كثيراً، ولذلك تخشى بعض القوى السياسية الدخول في عملية انتخابية يقرر الشعب السوداني من خلالها من يحكمه، لأنها تعلم أنها لا تملك رصيداً سياسياً أو شعبياً.
ولا يوجد حزب سياسي يملك سند ملكية يستطيع من خلاله الادعاء بأنه يملك الشعب السوداني. الشعب يعي تماماً ما يريد، ويمتلك أدوات قياس مواقف الأحزاب ومدى توافقها مع إرادته.
وبالتالي فإن قرب أي حزب من الشارع أو ابتعاده عنه يتوقف على مواقفه الداعمة لقضايا المواطنين أو خذلانه لهم.
*لكن بعض الأحزاب تطرح الديمقراطية باعتبارها أحد مبادئها الأساسية، فهل تمارسها داخل مؤسساتها؟
-معظم الأحزاب السياسية السودانية تقدم خطاب الديمقراطية كخطاب سياسي تعبوي، لكنها عاجزة عن تقديم نموذج للديمقراطية داخلها قبل أن تقدمه على مستوى الوطن.
ويظهر ذلك جلياً في قيادات الأحزاب التي لم تتزحزح من مواقعها لعقود، حتى أصاب بعض قادتها الهرم، لكنها لا تفسح المجال للأجيال اللاحقة.
وتكاد تجد بعض الأحزاب لا يوجد فيها عنصر شبابي من الأساس.
*هناك أحزاب تجاوزت أفكارها الزمن، فلم تعد تلبي طموحات الشباب في العصر الحالي، وأخرى لا تتيح الفرصة لآراء الشباب ولا تسمح لهم بالتقدم داخل الحزب. لذلك من الضروري أن تتخذ الأحزاب خطوات حقيقية نحو تمكين الأجيال الجديدة من التدرج والقيادة.
كما أن كثيراً من الأحزاب تحتاج إلى مراجعة أفكارها وبرامجها بصورة حقيقية، وإلا فإن مصيرها سيكون الزوال.
*إذا أردنا تشخيص أزمة الأحزاب بصورة أكثر تحديداً، فأين تكمن المشكلة؟
-تواجه الاحزاب أزمة أفكار، وممارسة، وأزمة اللابرنامجية.
وتكاد لا تجد أحزاباً سياسية تحمل أفكاراً حقيقية، بل إن بعضها أصبح مجرد استنساخ لأسماء، حتى أصبحنا نميز الأحزاب بأسماء قياداتها ونقول: الحزب الفلاني برئاسة فلان.
واقول الأحزاب لا تمارس ما تدعيه؛ فمن يدعو إلى الديمقراطية ليس بالضرورة ديمقراطياً داخل حزبه، ومن يدعو إلى تمكين الشباب تجد قيادته من الكهول، ومن يدعو إلى تمكين المرأة لا تكاد تجد النساء في قيادته إلا بأعداد قليلة لمجرد التمثيل، وهذه واحدة من مشكلات الممارسة الداخلية.
ايضا تعاني من غياب البرامج. فكثير من الأحزاب لا تكاد ترى لها برامج على أرض الواقع، وينصب نشاطها بالكامل على متابعة نشاط الشخص الأول في الحزب؛ إذا حضر حضر الحزب، وإذا غاب غاب الحزب.
بالتالي فإن أزمة الأحزاب أكبر من مجرد تغيير الأشخاص.
*وماذا عن مواقف الأحزاب من القضايا الوطنية والمتغيرات السياسية؟
-بعض الأحزاب لا تملك مواقف ثابتة، فتجد مواقفها تتغير وفقاً لمقتضى الواقع. وإذا تابعت مواقفها ستجدها غير متسقة مع بعضها البعض، لأنها لا تملك رؤية ولا موقفاً ثابتاً ولا معياراً حقيقياً تقيس به موقعها من الأحداث و المتغيرات.
*هل يعني ذلك أنكم تدعون إلى تجاوز الأحزاب الموجودة حالياً؟
-بالتأكيد لا يستطيع أحد تجاوز الأحزاب السياسية القائمة؛ فهي تمتلك إرثاً تاريخياً، وبعضها يملك ثقلاً جماهيرياً لا يمكن تجاوزه أو محو تاريخه في لحظة.
لكننا بحاجة إلى إصلاح الحياة السياسية عامة، وإصلاح الأحزاب السياسية بصورة خاصة.
*كيف تنظرون إلى مشاركة الأحزاب في العملية السياسية المقبلة؟
-يجب التمييز بين أمرين: الأول هو المشاركة في عملية سياسية انتقالية، وهذا أمر توافقي، وفي رأينا يجب أن يشارك فيه الجميع بلا إقصاء.
أما العملية السياسية عبر الانتخابات فتحكمها القوانين، والفيصل فيها هو الشعب السوداني. فإذا سمحت القوانين بمشاركة أي طرف فلا يستطيع أحد منعه، والشعب السوداني هو من سيختار في النهاية عبر صناديق الاقتراع.
ويجب أن تكون الأحزاب سواسية أمام القانون، وتخضع كلها للشروط والأحكام ذاتها، ولها الحقوق نفسها وعليها الواجبات نفسها.
*كيف تنظرون في حركة المستقبل إلى إنهاء الحرب والمسار السياسي؟
-نحن في حركة المستقبل للإصلاح والتنمية ظللنا نتحدث عن الفصل بين المسارين العسكري والسياسي.
عملية إنهاء الحرب عملية مركبة؛ فالجانب العسكري يجب أن يكون وفق رؤية القوات المسلحة السودانية، أما الجانب السياسي فيجب أن يكون عبر وفاق وطني كامل ناتج عن حوار سوداني شامل.
*وهل يمكن أن يقود الحوار إلى سلام مستدام؟
-تحقيق السلام المستدام يكون عبر الحوار التأسيسي الذي يجيب عن الأسئلة التاريخية التي كانت سبباً في اندلاع الحروب والأزمات في السودان.
نحن لم نجلس معاً، كسودانيين، للإجابة عن القضايا الملحة التي تسببت في فرقتنا. ويجب أن تكون الإجابة عن هذه الأسئلة إجابة توافقية، يشترك فيها الشعب السوداني بكل شرائحه، لنخرج برؤية وطنية موحدة وملزمة لكل الأطراف.
لذلك يجب أن يكون هذا التوافق شاملاً، بلا استثناء ولا إقصاء.
*هل يمكن تصنيف الأحزاب السودانية وفق مواقفها من الحرب والسلام؟
-يمكن تصنيف الأحزاب السياسية في هذا الإطار إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول هو الذي يمتلك رؤية لإنهاء الحرب وليس لديه أي ارتباط بأي جهة، أياً كانت صورة مرجعيته الفكرية ومواقفه السياسية.
القسم الثاني هو الأحزاب السياسية التي ارتبطت بأجندات خارجية، وهي لا تملك قرارها، وإنما تتحدث باسم من يقف وراءها.
أما القسم الثالث فهو الأحزاب السياسية التي ارتبطت بحلفائها العسكريين، وأعني هنا بالضرورة الأحزاب التي تقف إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، وهذه لا تملك القدرة على لعب دور أول أو القيام بمبادرة.
*أين يجب أن ينتهي المسار السياسي في رأيكم؟
-مسألة الحكم مدنية يجب أن تأتي من خلال صندوق الاقتراع. والمؤسسة العسكرية هي التي يقع على عاتقها حماية الدولة وحدودها ودستورها.
وبالتالي فإن مستقبل السودان مرهون بالممارسة المدنية الرشيدة من الأحزاب السياسية، من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
*ما الضمان الرئيسي لنجاح أي حوار سياسي مقبل؟
-الضمان الرئيسي هو التوافق الشامل، والشمول هنا ينقسم إلى محورين.
المشاركون، ويعني مشاركة كل مكونات المجتمع السوداني السياسية والاجتماعية بلا استثناء.
و القضايا، ويعني مناقشة كل القضايا والوصول فيها إلى حلول توافقية أو الاستفتاء حولها.
ووفقاً لرؤيتنا يجب ألا يستثني أي حوار مستقبلي أي طرف سياسي من المشاركة، لأن الوصول إلى توافق كامل يوجب مشاركة الجميع بلا استثناء.
*ما موقفكم من المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب؟
-خطابنا السياسي قائم أساساً على ضرورة التوافق بين كل مكونات المجتمع السوداني السياسية والمجتمعية.
ومن هذا المنطلق نرحب بكل المبادرات التي تدعو إلى إنهاء الحرب، لكننا نضع لها محددات نرى أنها المعايير الرئيسية التي تحدد نجاح أي عملية حوارية.
فإذا توافقت المبادرة مع معاييرنا فنحن سنكون أول الداعمين لها، وإلا فإننا نعتقد أنها لن تغادر محطة المبادرة.
ويمكن لمبادرات الحوار أن تحقق جمعاً للفرقاء السياسيين بمختلف توجهاتهم، إضافة إلى مكونات المجتمع السوداني المختلفة، لإدارة حوار سوداني خالص يتمخض عنه توافق يمكن أن يحقق مخرجاً من الأزمة السودانية.
*كيف يمكن ضمان ألا يتحول الحوار إلى محاصصة سياسية؟
-حتى نضمن ألا يتحول الحوار السياسي إلى حوار إجرائي تكون نتائجه محاصصات بين الأحزاب السياسية، يجب أن يتحقق شرطان. اولا ألا يكون الحوار حواراً إجرائياً لتقسيم المواقع والمناصب السياسية، بل يجب أن يكون حواراً تأسيسياً يناقش القضايا الجوهرية التي مثلت تاريخياً أسباب الصراع والحرب والأزمات في السودان.
وثانيا ألا يكون الحوار خاصاً فقط بالأحزاب السياسية، بل يجب إشراك المكونات المجتمعية، بما في ذلك النازحون واللاجئون، وهم أصحاب المصلحة الحقيقيون، حتى تكون قضاياهم حاضرة ضمن الحوار.
*هل لديكم معايير مسبقة لمن يشارك في الحوار؟
-نحن نؤيد مشاركة كل الأحزاب السياسية وكل المكونات المجتمعية في الحوار من دون استثناء، وليست هنالك معايير مسبقة للمشاركة إلا إذا تعلق الأمر بقضية قانونية تمنع شخصاً أو حزباً من المشاركة.
ونؤكد مرة أخرى أنه لا أحد يملك قرار منع أو السماح لأي طرف بالمشاركة في أي عملية خاصة بالحوار. فليس من المنطق أن تكون أنت من ضمن المشاركين ثم تقرر من يشارك ومن لا يشارك.
وكذلك لا تملك أي جهة غير السودانيين الحق في تحديد من له حق المشاركة من عدمها، فهذا حوار سوداني خالص.
*بعد الوصول إلى مخرجات الحوار، كيف يمكن ضمان تنفيذها؟
-الضمان الأساسي هو التوافق الشامل بين الأحزاب والمكونات المجتمعية، وآلية ذلك أن يتمخض عن الحوار جسم يُعنى بمتابعة تنفيذ مخرجاته، هذا الجسم يقوم بإعداد تقارير دورية عن موقف تنفيذ المخرجات، ويقدمها إلى المجلس القومي للحوار الذي يشمل كل مكونات الحوار، إضافة إلى تنوير الرأي العام السوداني بموقف تنفيذ تلك المخرجات.
*لكن الثقة بين القوى السياسية تبدو واحدة من أكبر العقبات أمام الحوار، فكيف يمكن تجاوزها؟
-من الطبيعي أن تتبادل أطراف العملية السياسية الاتهامات، فهي فرقاء سياسيون. لكن تجسير الثقة بين الأطراف السياسية يبدأ بجلوس تلك الأطراف مع بعضها البعض لتفريغ تلك الشحنات والتحاور فيما يختلفون فيه.
ونحن في حركة المستقبل على ثقة بأنه يمكن الوصول إلى توافق إذا جلس الفرقاء من دون إملاءات خارجية، وبقلوب وأذهان مفتوحة للوصول إلى حل.
*هل ما زالت فرصة الحوار قائمة رغم تعقيدات المشهد؟
-الفرصة دائماً موجودة وممكنة. وأكبر عقبة أمام الحوار ليست الوصول إلى توافق، وليست تنفيذ مخرجاته، وإنما جلوس الأطراف نفسها للحوار بإرادة صادقة وحقيقية وكاملة غير منقوصة.
*ما الشكل الذي تتصورونه للمرحلة الانتقالية؟
-نحن نرى أن المخرج النهائي وراء كل العملية السياسية يجب أن يكون انتقالاً سياسياً ديمقراطياً ينقل الحكم إلى من يختاره الشعب السوداني عبر صناديق الاقتراع.
وللوصول إلى هذه المرحلة يجب أن نمر عبر مرحلة انتقالية توافقية بحكومة رشيدة، وأجندتها محددة في الاقتصاد والخدمات ومعاش الناس والإعداد للعملية الانتخابية.والمهم في كل ذلك ألا يتطاول أمد الانتقال.
*كيف تقرأون الوضع الاقتصادي وأولويات الحكومة المقبلة؟
-قمنا في حركة المستقبل للإصلاح والتنمية بإعداد عدد من الأوراق المتخصصة، كتبها مختصون من خلال ورش عمل حول قضايا الاقتصاد ومعاش الناس.
وقد ذكرنا أكثر من مرة أن الأزمة ليست أزمة اقتصادية بالأساس، وإنما أزمة إدارة، فقد فشلت الحكومة الحالية في إدارة البلاد.
وأهم الأولويات التي يجب أن تتبناها أي حكومة لرفع المعاناة عن كاهل المواطن هي التوجه نحو الإنتاج وليس الجبايات، وتصحيح الميزان التجاري، ومحاربة الفساد والصرف الزائد، إضافة إلى توطين الصناعات وجذب الاستثمارات، لا سيما في قطاعات التعدين والزراعة والثروة الحيوانية.
*وماذا عن استعادة الخدمات؟
-من الواضح أن الحكومة الحالية لا تملك خطة واضحة لاستعادة الخدمات، ويظهر ذلك جلياً من خلال تضارب القرارات والحلول التي تقدمها الحكومة.
وفي رؤيتنا في حركة المستقبل للإصلاح والتنمية، يجب أن تشترك عدة قطاعات في هذه العملية.
مثل القطاع الحكومي، الذي يقع على عاتقه عبء التخطيط والإدارة، ثم تأتي مشاركة القطاعات المتمثلة في المجهود الشعبي، ومنظمات المجتمع المدني، ورأس المال الوطني، والاستثمار الأجنبي والمانحين.
ويجب أن تتكامل الأدوار وفقاً للتخطيط الذي تضعه الحكومة، بحيث يقوم كل قطاع بالدور المحدد له. وإلا سنرى التخبط الذي تمر به الحكومة الآن.
فالمجهود الشعبي، رغم ضخامته، مهدَر، ومنظمات المجتمع المدني لا يوجد تنسيق بينها وبين الحكومة، ورؤوس الأموال الوطنية تقابل بالمطالبات قبل توفير الاحتياجات، ولا يتم تقديم الحوافز للمستثمر الأجنبي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، كما لا يتم إعداد مشروعات واضحة للمانحين.
*وماذا عن عودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم؟
-نحن على يقين أن كل المواطنين يرغبون في العودة إلى ديارهم، ولكن هذه العودة مرتبطة بتهيئة البيئة المناسبة والمحفزة، من خلال توفير الخدمات الضرورية وإصلاح الوضع الاقتصادي.
وهما أمران يقعان بالضرورة على عاتق الحكومة، التي لا تملك حالياً رؤية واضحة لذلك. فعلى سبيل المثال، كان يمكن للحكومة أن تقدم تسهيلات للمواطنين العائدين إلى ديارهم.
*وكيف يجب أن تتم عملية إعادة الإعمار؟
-يجب إشراك المواطن في عملية تحديد أولويات الإعمار، فهو المتضرر الأساسي وصاحب المصلحة الحقيقي.
ويكون ذلك من خلال لجان مجتمعية تمثل المواطنين في متابعة عملية إعادة الإعمار منذ التخطيط لها وحتى تنفيذها على أرض الواقع.
#حوار_من_يحكم_السودان. #الانتخابات_السودانية
#مشاركة_السودانيبن_في_الحوار #همام_علي_مصطفي
