السؤال الذي كان قدم عام 1969م: من الذي أصبح مدعو تاريخيا إلي مواصلة الثورة في البلاد هل الطبقة العاملة و حزبها أم البرجوازية؟ و السؤال الثاني يطرح بعد تغييرات جوهرية للبرجوازية بعد 1999م حيث دمرت البرجوازية، و ضعفت الطبقة العاملة، يصبح السؤال من الذي يواصل النضال لإعادة فاعلية البرجوازية الداعمة لوجود الطبقة العاملة و العمل من أجل النهضة و الاستقرار في البلاد؟
السؤال الأول جاء في وثيقة الحزب الشيوعي لدورة اللجنة المركزية مارس عام 1969م.. و السؤال الثاني جاء بعد محاربة البرجوازية و استبدالها بالبرجوازية الطفيلية التي أدت للمفاصلة في نظام الإنقاذ في ديسمبر 1999م.. و الفترتان حدث بعدهما إضعاف للقيادات داخل المنظومتين الأيديولوجيتين، الأمر الذي أثر سلبا على التفكير العقلاني و الإنتاج المعرفي و الفكري، الذي كان يجب أن يقدم إجابات لمثل هذه الأسئلة..
بعد أفشال إنقلاب 19 يوليو 1971م، و إعدام عبد الخالق محجوب، و الانقسام الطولي للحزب الشيوعي السوداني.. حدث تراجع كبير في الإنتاج الفكري داخل الحزب، هذا التراجع يؤثر في الحوارات السياسية داخل المنظومة الأمر الذي تتراجع فيه مقدرات الأعضاء الثقافية و الفكرية، لذلك لجأ الحزب الاستعاضة عن ذلك بالشعارات لعلها تملأ فراغات مؤقته.. هذا التراجع كان أيضا له أثر مباشرا في دور الحزب في الشارع السياسي، مما جعل القيادات تلجأ إلي الاستعانة بالواجهات الأخرى و اعضائها في الاتحادات المهنية، و هي مؤسسات غير مطالبة بالإنتاج المعرفي و الفكري. و أصبح الحزب كقوى فاعلة في الشارع بأسم الحزب غير موحودة و لكنها موجودة في المنظمات المدنية الأخرى..
قبل المفاصلة 1999م كان رؤية علي عثمان محمد طه؛ أن يصبح هو البديل في القيادة الفكرية و السياسية للأباء المؤسسين للحركة الإسلامية، و كان لابد أن يحدث تغييرا جوهريا في منظومة الولاءات، و شرع من بعد الانقلاب أن يكون له قاعدة شعبية داخل الحركة تستطيع أن تسند رؤيته، و راهن على إحداث تغييرات تهدف لخلق رموز برجوازية و مالية، و أمنية، لكنه أختار البرجوازية الطفيلية لأنها تعتمد على ضخ أموال من مؤسسات الدولة.. و غاب عن علي عثمان إنه ليس رجلا مفكرا و لم يقدم طوال تاريخه إنه مفكر. و إن البرجوازية الطفيلية لا تنتج فكرا أو ثقافة.. حتى الذين ساندوا علي عثمان بعد المفاصلة غاب إنتاجهم المعرفي و الثقافي بعد المفاصلة.. و كنت قد قابلت الدكتور بهاء الدين حنفي في مركز دراسات الدبولوماسيين مع الدكتور تاج الديني السنوسي، و الدكتور بهاء الدين يعد واحدا من منظري الحركة.. و سألته هل تستطيع حركة سياسية لها مشروعها و تسيطر على دولة يتراجع دور قادتها في الإنتاج الفكري و الثقافي؟.. قال بهاء الدين ” السلطة” لإنها تخلق مراكز القوى و الكل يكون تحت المراقبة و الإتهام..
إن الأسئلة المطروحة إجاباتها معلقة حتى اليوم، رغم أن الحركة الإسلامية فقدت السلطة، لكنها تظل مؤثرة في الشارع السياسي، و أصبحت متعددة الواجهات لكن المرجعية واحدة، في الجانب الأخر نجد إن سقوط الاتحاد السوفيتي، و إنهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا، قد افقدت الشيوعيين الكثير، خاصة في عمليات الاستقطاب لكوادر جديدة من خلال المنح الدراسية التي كانت تقدمها الدول الشيوعية للحزب، الأمر الذي أدي لتراجع دور الحزب، حيث أصبح يعيد و يجتر ما كتبه الأباء المؤسسين، رغم التغييرات التي حدثت في العالم و حدثت في السودان. و ظلت قيادة الحزب معتمدة على البيانات و الشعارات فقط.. كان في السابق رغم الخلافات السياسية بين الحزب الشيوعي و الأحزاب الأخرى، لكن كان الشيوعيون مؤثرين على الرأي وسط المثقفين، و قدرتهم على طرح أجندة الحوار السياسي بين القوى السياسية..
الأن المعلومة لم تصبح حكرا على قوى سياسية بعينها، حيث أصبحت حقا مشاعا، و أغلبية الجماهير قادرة على أن توصل رؤيتها من خلال التلفونات الذكية، و تشارك و تساهم في أية حوار.. الغائب هو العنصر الذي ينتج الأفكار باعتبارها هي أدوات التغيير.. أن التراجع الذي أصاب الأيديولوجيين يمينا و يسارا، هو الذي أضعف الحركة السياسية في البلاد، و زحم العقل السوداني بالشعارات و لشعارات المضادة، و هي تقتل العقل.. و تغيب الموضوعية و البحث عن المشاريع السياسية التي تخرج البلاد من حربها و أزماتها.. حالة الضعف التي تعاني منها القوى السياسية، و هي تنعكس بالضرورة على فعالياتها، و تضعف قدرتها على إنتاج المعرفة.. و يقال من يعجز عن إنتاج المعرفة لآ يستطيع أن يسهم في التغيير..
إن إسقاط الإنقاذ كان كارثة على الإسلاميين و نهاية مشروعهم بالفشل، و أيضا أدى إلي تفتيت الحركة الإسلامية، و أحدث هزة قوية في قناعات بعض رموز الحركة، عند تقيمهم للتجربة.. فالحركة الإسلامية تحتاج إلي بناء تنظيمي جديد.. و تحتاج إلي بناء فكري جديد يؤسس على تقييم التجربة السابقة، و نقدها نقدا علميا و ليس عاطفيا.. و أيضا ثورة ديسمبر كشفت ضعف القيادة الاستالينية في الحزب، و عجزت أن يكون لها دورا في معالجة الأخطاء، و فضلت أن ترفع راية الجذرية، و تجلس القرفصاء تحتها، و تنتظر الشعارات التي تطلق في الشارع لكي تحدث تغييرا ثم تجادل بأنها مصدر الشعارات.. القيادة فشلت في إدارة الصراع و حتى تقدم أراء تكون باعثة للحوار بين الأطارف…
إن الحرب سببها غياب القيادات السياسية التي تشتغل بالعقل و تنتج فكرا، عندما قال الدكتور الشفيع خضر الذي كان قياديا شيوعيا: أن الثورة لن تنجح إلا بمساومة بين الشيوعيين و الإسلاميين.. و كتب الدكتور التجاني عبد القادر القيادي الإسلامي عن “الثنائيات القاتلة – علماني / اسلامي” و هي رؤى المفكرين الذين يكشفوا اسباب التعثر السياسي.. و ليس الذين يحملون شعارات و يعتقدون إنها الحل، و هي تعمق الأزمة.. نسأل الله حسن البصيرة..
#الصراع_الايدلوجي_في_السودان
