السبت, أكتوبر 24, 2026
الرئيسيةتقاريرحين يشكر المثقف الإعلام… يصبح الوفاء رسالة. ...

حين يشكر المثقف الإعلام… يصبح الوفاء رسالة. د. أسامة رقيعة..يقدّم نموذجًا في ثقافة الاعتراف بالجميل عبر خمس ساحات إعلامية عربية

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتُنسى فيه الأيادي التي أسهمت في صناعة النجاح، اختار الكاتب والمستشار القانوني السوداني د. أسامة رقيعة أن يتوقف قليلًا ليقول كلمة شكر. لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل مبادرة تحمل معنى إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز حدود العلاقة بين كاتب ومنصات نشرت عنه، لتعيد التذكير بقيمة أصيلة كثيرًا ما تحتاج إلى من يجدد حضورها: الاعتراف بالجميل، وحفظ الود، وإنصاف الجهود التي أسهمت في وصول الكلمة إلى الناس.

وجّه رقيعة رسائل شكر وتقدير إلى منصات إعلامية وثقافية في السودان ومصر والأردن والمغرب والإمارات، تقديرًا لاهتمامها بإصداراته الأدبية والقانونية، وما نشرته من مواد أسهمت في التعريف بأعماله وإيصالها إلى القراء.

وقد تبدو هذه الخطوة، في ظاهرها، مبادرة شخصية، لكنها في دلالتها الأعمق تطرح سؤالًا يتجاوز صاحبها: هل نتذكر من أسهموا في نجاحنا، أم نكتفي بالاحتفاء بما حققناه وننسى من منحونا فرص الوصول والانتشار؟

الإعلام شريك في رحلة الكتاب

لا يصل الكتاب إلى قارئه بمجرد أن يغادر المطبعة؛ فبين اكتمال صفحاته ووصوله إلى الجمهور تقف جهود متعددة، من النشر والتعريف إلى القراءة الصحفية والحوار والنقد. وهنا يؤدي الإعلام الثقافي دورًا يتجاوز نقل الأخبار، ليصبح جسرًا يصل الكاتب بالقارئ، والفكرة بالمجتمع، والتجربة الفردية بالفضاء الثقافي الأوسع.

ومن هذا المنطلق، فإن شكر المنصات الإعلامية هو اعتراف بقيمة العمل الصحفي والتحريري، وتقدير لكل جهد يمنح الكتاب فرصة جديدة للحضور، ويضعه أمام قراء ربما لم تكن طرقهم لتتقاطع معه لولا تلك المساحة الإعلامية.

ولا يعني ذلك أن كل تغطية تستوجب الإشادة، أو أن الشكر يلغي حق النقد والاختلاف؛ بل إن التقدير الحقيقي يقوم على الإنصاف، ويحفظ استقلال الكاتب، ويعترف بالجهد حين يستحق الاعتراف.

خمس دول… وكلمة تتجاوز الحدود

تكتسب المبادرة دلالة إضافية من امتدادها إلى منصات إعلامية وثقافية في السودان ومصر والأردن والمغرب والإمارات. فهذا التنوع الجغرافي يفتح نافذة للتأمل في قدرة الثقافة على تجاوز الحدود، وفي الدور الذي تؤديه الصحافة العربية في نقل التجارب والأفكار بين مجتمعات تتقاسم لغة وذاكرة ثقافية مشتركة.

ومن الصحافة السودانية إلى المنابر المصرية والأردنية والمغربية، وصولًا إلى الإعلام الإماراتي، تتعدد مساحات النشر، لكن القيمة التي تجمعها واحدة: إتاحة المجال للكلمة كي تصل، وللكتاب كي يجد قارئه، وللتجربة الإنسانية كي تدخل في حوار مع تجارب أخرى.

ولا يعني ذلك أن الحدود قد اختفت أمام حركة الكتاب العربي، أو أن التحديات التي تواجه النشر والتوزيع قد انتهت؛ لكنه يذكّر بأن كل مساحة إعلامية تُفتح أمام كتاب تمثل فرصة إضافية للحوار والمعرفة، وأن تضافر الجهود يستطيع أن يوسع دائرة حضور الثقافة العربية.

د. أسامة رقيعة… بين القانون والأدب

تتحرك تجربة د. أسامة رقيعة بين مجالين يبدوان مختلفين في أدواتهما، لكنهما يلتقيان في جوهرهما: القانون والأدب. ففي الأول، ينشغل بالقواعد والحقوق والعلاقات التي تنظم حياة الناس، وفي الثاني، يقترب من الإنسان وذاكرته وأسئلته وتجربته مع الحياة.

وقد امتدت إصداراته بين الكتابة القانونية والأعمال الأدبية والفكرية، ومن بينها كتاب «المرشد إلى فهم قوانين الإيجار في دبي»، إلى جانب مؤلفاته الأدبية التي تسعى إلى استكشاف التجربة الإنسانية وما تتركه من آثار في الذاكرة والوجدان.

وفي هذا السياق، يصبح اهتمام الإعلام بإصدارات الكاتب مساحة للتعريف بتجربة متعددة الجوانب، فيما يأتي الشكر ليؤكد أن صاحب العمل لا ينظر إلى التغطية باعتبارها مجرد وسيلة للترويج، بل يقدّرها بوصفها جهدًا يستحق الاعتراف.

ومع ذلك، فإن قيمة المبادرة لا تُقاس بعدد الكتب المنشورة، ولا بعدد المواد الإعلامية، ولا باتساع الانتشار؛ بل بالمعنى الذي تحمله: أن يظل الإنسان قادرًا على تذكّر من أحسنوا إليه، وأن يمنحهم حقهم في التقدير دون أن ينتظر منهم شيئًا في المقابل.

الوفاء… أخلاق النجاح

في الحياة المهنية والثقافية، كثيرًا ما تُختزل العلاقات في تبادل المنافع. تُنشر مادة عن كتاب، أو يُجرى حوار مع كاتبه، أو تُخصص مساحة للتعريف بإصدار جديد، ثم يمضي كل طرف إلى عمله، وكأن الأمر لم يكن سوى تفصيل عابر.

لكن العلاقات الإنسانية لا تقوم على المنفعة وحدها؛ إنها تحتاج إلى التقدير والاحترام والاعتراف المتبادل. وقد تكون كلمة شكر صادقة أبلغ من مظاهر احتفاء كثيرة، لأنها تقول للآخر إن جهده لم يمر دون أن يُرى، وإن ما قدمه لم يُعامل باعتباره أمرًا مفروغًا منه.

وهنا يكمن الفرق بين المديح الذي ينتظر منفعة، والشكر الذي يصدر عن قناعة. فالأول قد يكون وسيلة للحصول على مكسب، أما الثاني فيحفظ للجميل قيمته، ويمنح العلاقة المهنية بُعدًا إنسانيًا يتجاوز المصالح المباشرة.

إن الاعتراف بالفضل لا ينتقص من مكانة صاحبه، ولا يقلل من قيمة إنجازه؛ بل يعكس وعيًا بأن النجاح لا يُصنع في عزلة، وأن وراء كل تجربة ناجحة أشخاصًا ومؤسسات وفرصًا أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تشكيل الطريق.

أن نصل دون أن ننسى الطريق

ما يجعل مبادرة د. أسامة رقيعة جديرة بالاهتمام ليس أنها تقدم صورة احتفالية عن كاتب، بل أنها تتيح لنا النظر إلى قيمة إنسانية بسيطة من زاوية تستحق التأمل. ففي عالم تُقاس فيه النجاحات كثيرًا بالأرقام والمشاهدات ومؤشرات الانتشار، تأتي هذه المبادرة لتذكّر بأن هناك قيمًا لا تختزلها الإحصاءات، وأن بعض المواقف تستمد أهميتها مما تعبّر عنه من مبادئ، لا مما تحققه من مكاسب.

والرسالة هنا لا تخص الكتّاب وحدهم؛ فهي تمتد إلى كل من يعمل في مجال تتداخل فيه الجهود، وإلى كل مؤسسة تستفيد من مساهمات الآخرين، وإلى كل إنسان بلغ غاية كان لغيره دور في بلوغها.

فكم من شخص نسي يدًا امتدت إليه، وكم من مؤسسة أغفلت جهدًا أسهم في نجاحها، وكم من تجربة احتفت بنتائجها دون أن تتوقف عند من شاركوا في صنعها! لذلك، فإن ثقافة الشكر ليست مجرد سلوك اجتماعي لطيف، بل مظهر من مظاهر النضج الأخلاقي والإنصاف المهني.

إن الوفاء لا يعني أن نغض الطرف عن الأخطاء، ولا أن نستبدل النقد بالمجاملة، وإنما يعني أن نكون عادلين في أحكامنا، فلا ننكر الجهد لأننا اختلفنا مع صاحبه، ولا ننسى المعروف لمجرد أن حاجتنا إليه قد انتهت.

الكلمة الأخيرة

تظل مبادرة شكر المنصات الإعلامية في السودان ومصر والأردن والمغرب والإمارات تذكيرًا بأن الثقافة لا تُبنى بالكتب وحدها، كما لا تُبنى الصحافة بالأخبار وحدها؛ إنها تحتاج أيضًا إلى أخلاق تحفظ العلاقات، وذاكرة تصون المواقف، وكلمات تمنح الجهد الإنساني حقه من الاعتراف.

فالكاتب الذي يشكر من نشروا عنه لا يمنحهم فضلًا جديدًا بقدر ما يعترف بفضل سابق، والصحفي الذي يتلقى الشكر لا يحتاج إلى أن يكون قد صنع معجزة؛ فقد يكفي أنه أدى عمله بإخلاص، وأن هناك من رأى في هذا العمل جهدًا يستحق التقدير.

وربما كانت الرسالة الأعمق في هذه المبادرة أن الإنسان لا يفقد مكانته حين يشكر، ولا ينتقص من نجاحه حين يعترف بفضل الآخرين. على العكس، إنه يضيف إلى إنجازه قيمة أخرى، هي القدرة على أن يظل وفيًا وسط تغير الظروف، وأن يحتفظ بذاكرته الإنسانية وهو يمضي نحو أهدافه.

فليس الوفاء أن نتذكر الجميل في داخلنا فحسب، بل أن نمنحه حقه في الظهور. وليس النجاح أن نصل إلى غاياتنا فقط، بل أن نصل دون أن ننسى من أسهموا في الطريق.

تلك هي الرسالة التي تتجاوز حدود المبادرة وصاحبها: أن نحفظ الجميل، وننصف الجهد، وندرك أن الأثر الطيب لا تصنعه يد واحدة، بل يكتمل أيضًا بمن يتذكره، ويقدّره، ويقول عنه كلمة حق في وقتها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات