قراءة قانونية ووطنية في رؤية الفريق شرطة الدكتور عز الدين عبد المحمود
✍️د. الشاذلي عبداللطيف
التحية والتقدير والإجلال لسعادة الفريق شرطة الدكتور عز الدين عبد المحمود، هذه القامة الشرطية والقانونية والوطنية السامقة، الذي ظل يقدم للوطن عصارة علمه وخبرته، بعقل القانوني، وحكمة القائد، وبصيرة رجل الدولة. وقد تابعت باهتمام بالغ طرحه بشأن تفعيل قانون قوات الاحتياط لسنة 1982م، وما أثاره من قضايا جوهرية تتعلق بشرعية التشكيلات النظامية، والاستفادة من خبرات المتقاعدين، وضرورة إخضاع كل قوة مسلحة لسلطان القانون ومؤسسات الدولة.
إن السودان، وهو يخوض واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، لا يحتاج إلى مزيد من التشكيلات المتعددة والولاءات المتفرقة، وإنما يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، موحدة في قيادتها، واضحة في اختصاصاتها، يحكمها الدستور ويسود فيها القانون.
ولعل أعظم ما يمكن استخلاصه من حرب الكرامة أن قوة الدولة لا تقاس بعدد البنادق، وإنما بوحدة القيادة، وشرعية القرار، وانضباط المؤسسات، وقدرتها على حماية الوطن والمواطن دون ازدواج في السلطات أو تنازع في الاختصاصات.
قوات الاحتياط… قوة القانون لا قانون القوة
لقد تناول الفريق عز الدين قانون قوات الاحتياط لسنة 1982م، مشيرا إلى الفئات التي يشملها، وفي مقدمتها المتقاعدون من القوات المسلحة والشرطة والأجهزة النظامية، إلى جانب أصحاب الخبرات الفنية والهندسية والطبية وغيرها.
وهنا تبرز حقيقة قانونية مهمة، وهي أن قوات الاحتياط ليست تنظيما عسكريا موازيا، ولا كيانا مستقلا ينشأ بإرادة الأفراد، وإنما منظومة تستمد مشروعيتها من التشريع النافذ، وتعمل تحت السلطة المختصة، ووفق شروط الاستدعاء والخدمة والقيادة والمساءلة.
ومن الضروري، قبل الشروع في تفعيل القانون، مراجعة نصه الرسمي وجميع تعديلاته، والتحقق من مدى سريانه واتساقه مع الوثيقة الدستورية والتشريعات اللاحقة، لأن مشروعية الغاية لا تغني عن مشروعية الوسيلة.
إن المبدأ الدستوري المستقر هو أن الاختصاص لا يفترض، وأن ممارسة السلطة العامة تحتاج إلى سند قانوني صريح، وأن حمل السلاح باسم الدولة يستوجب الخضوع الكامل لسلطتها وقيادتها ورقابتها.
المتقاعدون… ذاكرة المؤسسات واحتياطي الوطن
من غير المنطقي أن تفقد الدولة خبرات ضباط أمضوا عشرات السنوات في ميادين القيادة والإدارة والتدريب والتحقيقات والعمليات والأمن المجتمعي، لمجرد بلوغهم سن التقاعد.
فالخبرة الوطنية لا تنتهي بانتهاء الخدمة، والمعاش لا يعني خروج الإنسان من دائرة العطاء.
إن آلاف الضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين يمثلون رصيدا وطنيا ثمينا، يمكن توظيفه في التدريب، وإعادة بناء المؤسسات، والاستشارات الأمنية، وإدارة الأزمات، وتأهيل الكوادر، والإسناد الفني والإداري، وتعزيز الأمن المجتمعي في الحدود التي يقررها القانون.
ولا ينبغي أن تنحصر الاستفادة منهم في المهام المسلحة، فبناء المؤسسات وإعداد الرجال ونقل الخبرات قد يكون أكثر أثرا وأبقى نفعا.
من الفكرة إلى التنفيذ… خارطة طريق مختصرة
إن تحويل مقترح الفريق عز الدين إلى واقع عملي يتطلب خمس خطوات أساسية:
أولا: تشكيل لجنة وطنية مختصة* تضم ممثلين للقوات المسلحة والشرطة ووزارة العدل والخبراء المتقاعدين، تتولى إعداد التصور التنفيذي خلال تسعين يوما.
ثانيا: مراجعة الإطار القانوني* بالتحقق من سريان قانون قوات الاحتياط وتعديلاته، وإعداد ما يلزم من تشريعات ولوائح لتنظيم الاستدعاء والاختصاصات والحقوق والواجبات.
ثالثا: حصر الكفاءات وتنظيمها* بإنشاء سجل للمتقاعدين المؤهلين، وتصنيف خبراتهم، ووضع هيكل تنظيمي يضمن خضوعهم للقيادة النظامية المختصة.
رابعا: اعتماد ضوابط الخدمة والحقوق بتحديد شروط الاختيار والتأهيل واللياقة الطبية، والمخصصات المالية والتأمينية، وآليات الرقابة والمساءلة.
*خامسا: التنفيذ التدريجي والتقييم بإطلاق برنامج تجريبي يبدأ بالمهام غير المسلحة، بعد استيفاء المتطلبات القانونية، وتقييم نتائجه قبل التوسع، مع تقديم تقرير نهائي خلال ستة أشهر.
وبذلك تنتقل المبادرة من مجرد الدعوة إلى مشروع مؤسسي محدد المسؤوليات والآجال، دون استعجال في إنشاء تشكيلات أو منح اختصاصات قبل استكمال سندها القانوني.
الدولة الواحدة لا تحتمل تعدد الجيوش
وهنا أود التأكيد على قضية بالغة الحساسية، وهي أن السودان، بعد كل ما عاناه من الحرب والدمار والنزوح، لا يحتمل إعادة إنتاج ظاهرة تعدد التشكيلات المسلحة تحت أي مسمى.
فلا يكفي أن تكون النوايا وطنية حتى تصبح التشكيلات قانونية، ولا يجوز أن تتحول المبادرات الشعبية أو المهنية إلى سلطات أمنية مستقلة.
إن مؤسسات الدولة النظامية يجب أن تظل المرجعية الوحيدة للقوة المسلحة المنظمة، مع التزام كل مؤسسة باختصاصاتها القانونية.
ولذلك فإن أي مبادرة لإنشاء قوة تطوعية أو احتياطية ينبغي أن تخضع أولا للفحص القانوني والمؤسسي، وأن تلتزم بالتسلسل القيادي والرقابة والمساءلة.
اعادة بناء السودان تبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات
إن مشروع قوات الاحتياط، إذا أحسن تنظيمه، يمكن أن يتجاوز الاستجابة لظروف الحرب إلى تأسيس منظومة دائمة للاستفادة من الخبرات الوطنية في السلم والطوارئ.
لكن النجاح لا يتحقق بمجرد إصدار القرارات، وإنما بتوفير الإرادة المؤسسية، والإمكانات المالية، والوضوح التشريعي، والرقابة الجادة.
فالدولة التي تحسن توظيف خبرات رجالها تحافظ على ذاكرتها المؤسسية، والدولة التي تجعل القانون مرجعية للجميع تحمي نفسها من الفوضى وتنازع السلطات.
وأخيرا… إلى سعادة الفريق عز الدين عبد المحمود
لقد أثرت، سعادة الفريق، قضية تتجاوز حدود قانون قوات الاحتياط إلى جوهر بناء الدولة السودانية الحديثة.
وأحسب أن دعوتك تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني يناقش داخل مؤسسات الدولة، وأن تجد طريقها إلى الجهات صاحبة الاختصاص، لأنها تتعلق بمستقبل الأمن الوطني، ووحدة المؤسسات، والاستفادة من الرجال الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السودان.
إن أول قرار نحتاج إليه اليوم ليس تشكيل قوة جديدة، بل تشكيل لجنة قانونية ومؤسسية مختصة، تضع الأساس الصحيح، وتحدد الطريق الذي يحفظ للدولة سيادتها وللمتقاعدين حقوقهم وللمواطن أمنه.
فالسودان لا تنقصه الرجال، وإنما يحتاج إلى حسن توظيف الرجال. ولا تنقصه الخبرات، وإنما يحتاج إلى مؤسسات تستوعبها. ولا يحتاج إلى تعدد البنادق، وإنما إلى وحدة القرار وسيادة القانون.
التحية مجددا للفريق شرطة الدكتور عز الدين عبد المحمود، ولكل قائد وطني يجعل من خبرته وعلمه جسرا لبناء الدولة وصيانة هيبتها.
ولنجعل من هذه المبادرة بداية لمشروع إصلاح مؤسسي يعيد الاعتبار للقانون، ويستثمر الخبرات، ويحفظ للوطن وحدته وأمنه ومستقبله.
السودان أولا… وسيادة القانون فوق الجميع.
#جيش_واحد… #شعب_واحد #وطن_واحد.
