الأحد, أكتوبر 18, 2026
الرئيسيةمقالاتلغتنا الجميلة تستغيث بقلم/ إسماعيل شريف

لغتنا الجميلة تستغيث بقلم/ إسماعيل شريف

لم أكن في جولتي اليومية بين مجموعات واتساب وصفحات فيسبوك أبحث عن أخطاء الآخرين، ولا أتخذ من تصحيح الهفوات اللغوية هواية، لكن ما استوقفني هو تكرار أخطاء إملائية ونحوية جسيمة في كتابات أشخاص يشغلون مواقع مهنية مرموقة، ويحمل بعضهم شهادات علمية رفيعة تصل إلى درجة الدكتوراه.

حاولت أن أجد الأعذار، مستحضراً سرعة الكتابة وضغط الوقت، لكن الخلط بين الحروف، وإسقاط بعضها أو زيادتها، واضطراب الهمزات، وضعف الصياغة، جعلني أتساءل: ماذا أصاب علاقتنا باللغة العربية؟ وكيف أصبح الخطأ المألوف يمر دون مراجعة أو تصحيح؟

لا يتعلق الأمر بهفوة عابرة؛ فالخطأ وارد، والكمال اللغوي ليس شرطاً للكتابة، كما أن التفوق العلمي لا يعني بالضرورة التمكن من اللغة. لكن الشهادة الرفيعة لا تعفينا من مسؤولية التعبير السليم، ولا ينبغي أن تتحول الأخطاء المتكررة إلى ظاهرة نتعايش معها دون اكتراث.

فاللغة ليست مجرد وعاء للأفكار، بل أداة لنقل المعرفة وتحديد المعنى وبناء الثقة. وقد يغيّر حرف واحد دلالة كلمة، فيما يربك الخلل النحوي وضعف التعبير فهم الرسالة. ولا تقف المشكلة عند الإملاء، بل تمتد إلى بناء الجملة، واختيار المفردات، وعلامات الترقيم، وسلامة المعنى وجمال الأسلوب.

لقد كرّست وسائل التواصل الاجتماعي ثقافة الاستعجال؛ نكتب وننشر قبل أن نراجع، وكأن كلماتنا رسائل عابرة لا تترك أثراً. والحقيقة أن ما ننشره على الإنترنت يحمل أسماءنا، ويعكس جانباً من صورتنا المهنية والثقافية، وقد يظل متداولاً بعد أن ننسى أننا كتبناه. فالإنترنت فضاء مفتوح لا يضمن لنا النسيان، وما نكتبه قد يصبح سطراً في تاريخنا الرقمي.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى إنقاذ العربية لا ينبغي أن تقتصر على تصحيح الحروف والهمزات، بل يجب أن تشمل النحو والتعبير والأدب والبلاغة، والقدرة على صياغة الأفكار بوضوح ودقة وجمال. فسلامة اللغة ليست ترفاً ثقافياً، وإنما احترام للكلمة والقارئ والمعنى.

وتبدأ المسؤولية من البيت، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية، وصولاً إلى كل من يكتب وينشر. وهي مسؤولية تتطلب إحياء القراءة، وتحسين تعليم العربية، والاستعانة بأدوات التدقيق، واعتماد المراجعة عادةً تسبق النشر. فلا نحتاج جميعاً إلى أن نكون أدباء أو نحويين، لكننا مطالبون بألا نستهين بلغتنا.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الأخطاء إلى مادة للسخرية أو الانتقاص من أصحابها؛ فالتصحيح المهذب أجدى من التشهير، والاعتراف بالخطأ فضيلة، وتعلم اللغة مسؤولية مشتركة لا يحتكرها المتخصصون.

والعربية، بتاريخها الأدبي والفكري والعلمي، ليست إرثاً نحتفي به في المناسبات ثم نهمله في حياتنا اليومية، بل لغة حية تستحق أن نصونها بالقراءة والكتابة والإنتاج المعرفي، لا بالشعارات وحدها.

إن إنقاذ لغتنا الجميلة لا يبدأ من مؤتمر أو حملة موسمية، بل من قرار بسيط يتخذه كل منا قبل الضغط على زر النشر: أن يقرأ ما كتب، ويراجع ما التبس عليه، ويتحقق مما شك فيه، ويمنح كلماته حقها من العناية.

لغتنا لا تستغيث من أخطاء أبنائها بقدر ما تستغيث من استسهالهم لها. وما تكتبه على الإنترنت ليس مجرد كلمات عابرة، بل عنوان من عناوينك وأثر قد يبقى بعدك؛ فاحرص على أن يكون ما تنشره شاهداً على وعيك، لا على استعجالك.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات