أثارت التقارير التي أفادت بمقتل 72 من العاملين في التنقيب الأهلي عن الذهب، المعروفين بـ«الدهابة»، في هجمات جوية بمنطقة جبل العقيَدات قرب الحدود السودانية المصرية، خلال يونيو وأكتوبر 2026، تساؤلات قانونية بشأن مشروعية استخدام القوة، والمسؤولية عن قتل المدنيين، وما قد يترتب على هذه الأفعال من انتهاك لسيادة السودان وسلامة أراضيه. وقد نسبت مجموعة «محامو الطوارئ» الهجمات إلى القوات الجوية المصرية، غير أن تحديد الجهة المسؤولة والوقائع الدقيقة يظل رهينًا بالتحقيق المستقل والتحقق من الأدلة.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية قانونية خاصة إذا ثبت أن المستهدفين كانوا مدنيين لا يشاركون في أي أعمال عدائية، وأن الهجمات وقعت في منطقة لا تشهد نزاعًا مسلحًا تنطبق عليه قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة. وفي هذه الحالة، يبرز القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جانب القواعد المنظمة لاستخدام القوة بين الدول، إطارًا أساسيًا لتقييم مشروعية الأفعال وتحديد المسؤولية عنها. كما أن وقوع الأفعال خارج سياق نزاع مسلح لا يحول دون بحث تكييفها جرائم ضد الإنسانية، إذ لا يشترط القانون الدولي لقيام هذه الجرائم وقوع نزاع مسلح.
وإذا ثبت وقوع الهجمات داخل الأراضي السودانية دون موافقة السودان أو سند قانوني معتبر، فإن ذلك يثير مسألة انتهاك سيادته وسلامة أراضيه. ويتطلب الوصول إلى نتيجة قانونية دقيقة تتمثل في التحقق من الإحداثيات الجغرافية لمواقع الهجمات، ومصدرها، والظروف التي أحاطت بها، والأساس الذي استند إليه منفذوها. فتنفيذ عملية عسكرية داخل إقليم دولة أخرى دون مسوغ قانوني قد يشكل فعلًا غير مشروع دوليًا، متى ثبتت نسبته إلى الدولة المعنية وتوافرت عناصر المسؤولية الدولية.
أما من حيث حماية الحق في الحياة، فإن المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر الحرمان التعسفي من الحياة، وتلزم الدول باحترام هذا الحق وحمايته. ولا يغير من ذلك أن الضحايا كانوا يعملون في التنقيب الأهلي عن الذهب، أو احتمال مخالفة بعضهم للقواعد المنظمة لهذا النشاط؛ فالمخالفات الإدارية أو الجنائية لا تبيح إزهاق الأرواح خارج إطار القانون، ولا تجعل استخدام القوة المميتة بديلًا عن الإجراءات القانونية التي تتولاها السلطات المختصة.
ويقتضي التقييم القانوني التمييز بين مسؤولية الدولة عن الأفعال المنسوبة إلى أجهزتها، والمسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين أمروا بالهجمات أو نفذوها أو أسهموا فيها. فمسؤولية الدولة تخضع لقواعد المسؤولية الدولية، بينما تتطلب المسؤولية الجنائية الفردية إثبات عناصر الجريمة ونسبتها إلى المتهم، بما في ذلك القصد والعلم متى كانا من متطلباتها. ولذلك، فإن ثبوت وقوع القتل لا يحسم وحده جميع أوجه المسؤولية، لكنه يوجب التحقيق في مشروعيته والظروف التي أدت إليه.
وتبرز هنا مسألة تكييف الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية. فهذه الجرائم لا يشترط لوقوعها أن ترتكب أثناء نزاع مسلح، وإنما يلزم أن تشكل الأفعال جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، مع علم مرتكب الفعل بهذا الهجوم. وقد أدرجت المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية القتل ضمن الأفعال التي يمكن أن تشكل جريمة ضد الإنسانية متى توافرت هذه العناصر السياقية وغيرها من الشروط القانونية ذات الصلة.
ويُقصد بالهجوم في هذا السياق مسار من السلوك يتضمن ارتكاب أفعال متعددة ضد السكان المدنيين تنفيذًا لسياسة دولة أو منظمة أو تعزيزًا لها، وفقًا للتعريف الوارد في نظام روما الأساسي. ولا يكفي، بالتالي، وقوع جريمة قتل، مهما بلغت خطورتها، لإثبات قيام جريمة ضد الإنسانية؛ بل يجب التحقق من صلة فعل القتل بهجوم يستهدف سكانًا مدنيين، ومن اتسام ذلك الهجوم بالاتساع أو المنهجية.
ويشير وصف الهجوم بأنه واسع النطاق إلى حجم الأفعال وعدد الضحايا والنطاق الجغرافي الذي امتدت إليه، بينما تتصل المنهجية بالطابع المنظم للهجوم، وما قد تكشف عنه الوقائع من نمط متكرر أو أساليب مترابطة في التنفيذ. وهذان الوصفان بديلان، فلا يلزم اجتماعهما معًا، كما لا يشترط لإثبات المنهجية وجود خطة مكتوبة أو أمر معلن، وإن كان ثبوت مثل هذه الأدلة قد يعزز الاستنتاج بشأن تنظيم الهجوم وطبيعته.
وقد تناولت المحاكم الجنائية الدولية هذه المعايير في عدد من أحكامها. ففي قضية المدعي العام ضد دوسكو تاديتش (Prosecutor v. Duško Tadić)، بحثت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة مسائل تتصل بتطور مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي. ومع أن النظام الأساسي لتلك المحكمة كان يتضمن شرطًا يتعلق بوقوع الجرائم في سياق نزاع مسلح، فإن هذا الشرط المتصل باختصاص المحكمة لا يمثل شرطًا عامًا لازمًا لقيام الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي العرفي.
كما تناولت دائرة الاستئناف في قضية المدعي العام ضد كوناراك وآخرين
(Prosecutor v. Kunarac .)، مفهوم الهجوم الموجه ضد السكان المدنيين، وطبيعة الاتساع والمنهجية بوصفهما معيارين بديلين. وأوضحت القضية أن الطابع المنهجي يمكن استنتاجه من تنظيم أعمال العنف وتكرارها، ومن الأساليب المستخدمة والأنماط التي تكشف عنها
الوقائع
ورغم أن القضية نظرت في أفعال ارتكبت أثناء نزاع مسلح، فإن المبادئ المتعلقة بهذه العناصر تساعد على فهم المعايير القانونية ذات الصلة، مع مراعاة الإطار القانوني الذي صدر الحكم
في ظله
وبتطبيق هذه المعايير على التقارير المتعلقة بمقتل الدهابة السودانيين، فإن ورود معلومات عن حادثتين في يونيو وأكتوبر 2026 يستدعي التحقق مما إذا كانتا واقعتين منفصلتين أم أن ثمة صلة بينهما.
فالتكرار مرتين لا يكفي بذاته لإثبات وجود هجوم منهجي، كما أن وقوع الحادثتين في المنطقة نفسها لا يحسم التكييف القانوني. غير أن ثبوت التشابه في طبيعة الأهداف، أو أساليب التنفيذ، أو ظروف وجود المدنيين، أو وجود صلة بين الجهات التي نفذت الهجومين، قد يشكل قرائن تستحق التقييم مجتمعة.
أما وصف الهجوم بأنه واسع النطاق، فيتطلب النظر في العدد الإجمالي للضحايا، والنطاق الجغرافي للأفعال، وعدد المواقع المستهدفة، ومدى امتداد الهجوم وآثاره. ولا يكفي عدد القتلى وحده لإثبات هذا العنصر، مثلما لا يكفي استخدام طائرات عسكرية أو أسلحة متطورة لإثبات المنهجية؛ وإنما تتحدد قيمة هذه الوقائع في ضوء ما تكشف عنه من تخطيط وتنظيم، وطبيعة الأهداف المختارة، ومدى علم المسؤولين عنها بوجود مدنيين في المواقع المستهدفة.
ويظل إثبات أن القتل وقع في إطار هجوم موجه ضد سكان مدنيين، وأن مرتكبيه كانوا على علم بالسياق الذي ارتكبت فيه الأفعال، أمرًا جوهريًا. ولا يعني ذلك ضرورة استهداف جميع سكان المنطقة، بل يتعين التحقق مما إذا كانت الأفعال جزءًا من هجوم على جماعة من السكان المدنيين، لا مجرد وقائع منفردة لا رابط بينها.
ولهذا، فإن الوصول إلى تكييف قانوني سليم يستلزم تحقيقًا مستقلًا يجمع بين الأدلة المتعلقة بالحادثتين. ويشمل ذلك التحقق من هويات الضحايا وصفاتهم المدنية، وتحديد مواقع الهجمات وتواريخها بدقة، وحفظ التقارير الطبية وتقارير الوفاة والصور والتسجيلات والبيانات الرقمية، والاستماع إلى الناجين والشهود، والتحقق من مصدر الطائرات والذخائر المستخدمة.
كما ينبغي جمع المعلومات المتاحة بشأن الأوامر والاتصالات والتحركات السابقة للهجمات واللاحقة لها، ومقارنة الأدلة لتحديد ما إذا كانت تكشف عن نمط منظم أو صلة بين الحادثتين.
إن ثبوت وقوع القتل بصورة غير مشروعة يقتضي تحديد المسؤولية عنه، سواء تعلقت بأفعال منسوبة إلى الدولة أو بمسؤولية جنائية فردية.
وإذا ثبت أن الهجمات نُفذت داخل الأراضي السودانية دون سند قانوني معتبر، فإن المسألة تتجاوز الاعتداء على الحق في الحياة إلى انتهاك سيادة السودان وسلامة أراضيه.
أما تكييف الوقائع جرائم ضد الإنسانية، فيتوقف على توافر العناصر المطلوبة، وفي مقدمتها وجود هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، وارتباط أفعال القتل به، وعلم مرتكبيها بسياقه.
وعليه، فإن مقتل الدهابة السودانيين يستوجب تحقيقًا جادًا ومستقلًا يحدد الوقائع والجهات المسؤولة، ويقيّم مشروعية استخدام القوة في ضوء قواعد القانون الدولي ذات الصلة.
فحماية الحق في الحياة واحترام سيادة الدول لا يقتضيان الاكتفاء بإدانة عامة، بل يتطلبان مساءلة تستند إلى أدلة موثوقة وتكييف قانوني دقيق، بما يكفل تحديد المسؤوليات وفقًا للقانون الدولي
#قضية_المعدنيين
#قتل_السودانيين_في_الحدود
#الحرائم_ضد_الانسانية #المجد_نيوز
