لم يكن خطاب مني أركو مناوي يوم امس الاربعاء السابع من أكتوبر ٢٠٢٦م مجرد اعتراض على تشكيل عسكري جديد، بل كان إعلاناً سياسياً لافتاً حين قال إنه قد يتمرد على الدولة إذا تمادت في صناعة المليشيات. المفارقة أن الرجل الذي يقاتل اليوم إلى جانب الدولة جاء أصلاً من رحم التمرد، وكأنه يقول إن الدفاع عن الدولة لا يعني الصمت عندما تبدأ الدولة، في تقديره، بإعادة إنتاج الأدوات التي صنعت أزمتها.
جاء حديث مناوي وسط الجدل حول ما تردد عن تشكيل «درع الغرب»، عقب انضمام قيادات منشقة من الدعم السريع، من بينها النور القبة وعلي رزق الله المعروف بـ«السافنا»، إلى الجيش. وهنا يميز مناوي بين عودة أفراد كانوا في صفوف الدعم السريع إلى «حضن الوطن»، وبين تحويل هذه العودة إلى نواة لتشكيل مسلح جديد خارج المؤسسة العسكرية. فالمشكلة، في منطقه، ليست في أن يعود المقاتل إلى الدولة، وإنما في أن تعيد الدولة إنتاج المليشيا تحت اسم آخر.
ويستند مناوي في تحذيره إلى تجربة سودانية قاسية، حين ربط بين الجنجويد وحرس الحدود والدعم السريع، معتبراً أن الدولة ساهمت عبر مراحل مختلفة في صناعة قوى مسلحة انتهت في النهاية إلى تهديدها. لذلك فإن حديثه عن أموال الدولة وضرائب المواطنين يحمل رسالة واضحة: لا يجوز استخدام موارد الدولة لبناء قوة قد تتحول غداً إلى خصم لها.
لكن خلف هذا الموقف الوطني المعلن توجد حسابات سياسية لا يمكن تجاهلها. فمناوي ليس مراقباً للمشهد، وإنما قائد حركة مسلحة وحاكم لدارفور وشريك في ترتيبات ما بعد الحرب. وأي قوة جديدة في الإقليم ستعيد توزيع النفوذ، وقد تؤثر في موقعه وموقع حركته داخل المعادلة المقبلة. لذلك يلتقي حرصه على الدولة مع حرصه على ألا يُعاد تشكيل ميزان القوة في دارفور على حسابه.
وهنا تتجاوز القضية اسم «درع الغرب» لتصل إلى جوهر الدولة السودانية بعد الحرب. فالدولة التي خاضت حرباً ضد الدعم السريع بسبب تعدد مراكز القوة المسلحة ستكون أمام اختبار حقيقي إذا اتجهت إلى إنشاء تشكيلات جديدة خارج البناء النظامي. إعادة إنتاج القوة الموازية، حتى تحت مسميات وتحالفات مختلفة، ستعني استمرار البنية التي أنتجت الأزمة بدلاً من تفكيكها.
وفي المقابل، فإن خطاب مناوي نفسه سيخضع للاختبار. فإذا كان رفضه للمليشيات مبدأً، فعليه أن ينطبق على الجميع، بما في ذلك الحركات المسلحة والقوة المشتركة وكل التشكيلات التي نشأت خارج الجيش خلال العقود الماضية. أما إذا تحول رفض القوة الجديدة إلى صراع على النفوذ والسلاح، فإن المسألة تصبح منافسة على من يملك حق تمثيل الدولة لا دفاعاً عن احتكارها للسلاح.
لهذا فإن أخطر ما في خطاب السابع من أكتوبر ليس تهديد مناوي بالتمرد، بل المفارقة التي يقف عندها: أن يجد حليف الدولة نفسه مهدداً بالعودة إلى التمرد دفاعاً عن الدولة التي تحالف معها.
قد يكون مناوي حريصاً على الوطن، وقد تكون لديه في الوقت نفسه حسابات تتعلق بمستقبله السياسي ودارفور وحركته، ولا يلغي أحد الدافعين الآخر. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في مرحلة ما بعد الحرب، حين تتحول التحالفات العسكرية إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية. عندها ستتحدد قيمة موقفه بحسب مدى اتساقه مع مبدأ واحد: بناء دولة تحتكر السلاح ولا تستعين بمليشيات موالية لها.
في النهاية، لا تُحسم قضية المليشيات بالتصريحات ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بقرارات واضحة تبدأ بوقف أي تشكيل مسلح جديد خارج القوات النظامية، وإخضاع كل القوى الموجودة لترتيبات قانونية معلنة للدمج أو التسريح، مع حصر السلاح والتمويل العسكري في مؤسسات الدولة. وبالنسبة لمناوي، فإن موقفه سيكتسب وزنه الحقيقي عندما يتحول من تحذير سياسي إلى موقف ثابت يطالب بمعيار واحد يطبق على حلفائه وخصومه معاً. عندها يصبح اعتراضه جزءاً من مشروع بناء الدولة، لا مجرد حلقة جديدة في صراع النفوذ داخلها. أما استمرار صناعة القوى المسلحة تحت مسميات مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وإنتاج خصم جديد للدولة في المستقبل.
،،، تحياتي ،،،
