تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
تعد كوريا الشمالية (جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية) إحدى أكثر الفاعلين الإقليميين والدوليين إثارة للجدل،حيث تمكنت رغم عزلتها الاقتصادية والعقوبات الشديدة المفروضة عليها،من فرض نفسها كلاعب سياسي وعسكري وإستراتيجي ذي تأثير كبير يتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية.
يرجع ذلك لأسباب متعددة،أبرزها:
*البعد السياسي، استراتيجية بقاء النظام والمناورة الجيوسياسية:
تعتمد السياسة الخارجية لكوريا الشمالية على مبدأ “الجوتشيه”(الاعتماد على الذات) وعقيدة “السونغون”(الجيش أولاً). ولا تهدف سياساتها الدولية إلى الاندماج في النظام العالمي،بل تتركز على تحسين شروط بقاء نظام الحكم الحالي.
*توظيف الردع النووي كأداة شرعية وسياسية: تستخدم بيونغ يانغ برنامجها النووي والتسليحي لفرض أمر واقع على القوى الكبرى (وفي مقدمتها الولايات المتحدة)،مجبرة إياها على التعاطي معها كدولة نووية بدلاً من مجرد دولة معزولة.
*إعادة رسم العلاقات شرق الأوسطية والأوروآسيوية:
تحولت كوريا الشمالية من موقع الدفاع والدبلوماسية المعزولة إلى أداء أدوار أكثر جراءة،مستغلة حالة التفكك والتنافس الحاد بين القوى العظمى (الولايات المتحدة وروسيا والصين).
*إلغاء أفق الوحدة مع الجنوب:
شهدت السياسة الداخلية والبديلة لبيونغ يانغ تحولاً عقائدياً حاداً بتعديل دستورها وإلغاء هدف “التوحيد السلمي”، وتصنيف كوريا الجنوبية رسمياً كـ “دولة معادية دائمة”، مما أنهى عقوداً من الأطر الدبلوماسية التقليدية بين الشطرين.
*القدرات والعقيدة العسكرية،الترسانة والردع التقليدي وغير التقليدي:
تعتبر القوات المسلحة لكوريا الشمالية واحدة من أكبر الجيوش عدداً في العالم من حيث الأفراد والتعبئة العامة،إذ إنها تمتلك قدرات نووية وصاروخية عابرة للقارات (ICBMs) حيث طوّرت بيونغ يانغ منظومات مثل Hwasong-15 وHwasong-17 وHwasong-18 (التي تعمل بالوقود الصلب)،مما منحها قدرة على توجيه ضربات قد تصل إلى الأراضي الأمريكية.
وفي فيما يتعلق بالأسلحة النووية التكتيكية،فإن التركيز الحاصل هنا ينصبّ على تطوير رؤوس نووية صغيرة يمكن حملها على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لاستهداف القواعد والموانئ في كوريا الجنوبية واليابان.
وفي سياق القوة التقليدية والحرب السيبرانية،
تحتفظ القوات المسلحة بآلاف مدفعيات الميدان والراجمات الموجهة نحو العاصمة الكورية الجنوبية سيول على بعد مسافة قصيرة من الحدود.
خاصة وأن النظام يمتلك ذراعاً سيبرانياً متقدماً (مثل مجموعة Lazarus) يُستخدم في الهجمات السيبرانية والتجسس وجمع الأموال عبر الأنشطة المشفّرة لتجاوز العقوبات المالية.
في غضون ذلك،يشكل السلوك العسكري لكوريا الشمالية العامل الرئيسي في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في منطقة شرق آسيا،السبب الذي أدي لتصاعد حدة التوتر العسكري وتوقف تام لجميع قنوات الحوار المباشر،مع استمرار سباق التسلح التقليدي والصاروخي على طول الحدود.
وقد أدي ذلك أيضا لقيام اليابان بتجارب للصواريخ بصورة منتظمة،ماجعل طوكيو تذهب إلى تعديل عقيدتها الدفاعية،وزيادة إنفاقها العسكري،واكتساب قدرات هجومية متبادلة.
بينما أدت التهديدات الشمالية إلى تقارب تاريخي ثلاثي في المنطقة،يهدف لتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي والمناورات العسكرية المشتركة.
وفي ذات الإتجاه،تمثل الصين الرئة الاقتصادية الأساسية لكوريا الشمالية، وعلى الرغم من تحفظ بكين على التجارب النووية،إلا أنها تعتبر بقاء بيونغ يانغ منطقة جغرافية عازلة حيوية تمنع وجود القوات الأمريكية على حدودها المباشرة.
تحليلات سياسية ذات صعيد دولي وإقليمي،أوضحت أن هناك تحول استراتيجي حاد،طغي على موقع كوريا الشمالية في السياسة الدولية،وتحولت بذلك من مجرد أزمة إقليمية إلى لاعب متداخل في الصراعات الدولية خارج آسيا،حيث شكّل توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع روسيا (2024) نقطة تحول جيوسياسية،لاسيما وأن العلاقات دخلت مرحلة التحالف الدفاعي المتبادل والتعاون العسكري المكثف.
وفقا لتقارير موثوقة نشرت فى وسائل إعلام مختلفة،فقد زودت كوريا الشمالية الجيش الروسي بآلاف الحاويات من الذخائر والمقذوفات والصواريخ البالستية قصيرة المدى (مثل KN-23)، إضافة إلى تقديم دعم بالأفراد والخبراء والمجموعات العسكرية الميدانية.
وتُحقّق بيونغ يانغ من هذا الشراكة مكاسب حيوية تشمل تدفق النفط، المساعدات الغذائية، وتكنولوجيا الصواريخ والفضاء المتقدمة من روسيا، مما يُضعف مفعول نظام العقوبات الدولي.
لم تعد كوريا الشمالية مجرد “دولة مارقة” تعتمد على العزلة لحماية نفسها، بل تحولت إلى قوة إقليمية هجومية تُوظّف قدراتها النووية والتسليحية ببراعة لفرض حضورها الداخلي والخارجي.
ومن خلال اندماجها في محاور التنافس بين القوى الكبرى (روسيا والصين في مواجهة الغرب)،أصبحت بيونغ يانغ رقماً صعباً يتجاوز تأثيره حدود شبه الجزيرة الكورية ليمس الأمن القومي الأوروبي والأنظمة الأمنية الدولية بشكل مباشر.
