السبت, أكتوبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتحدود الولاية المُستباحة.. من الفشقة إلى ود الحليو: مَنْ يبيع القضارف قطعةً...

حدود الولاية المُستباحة.. من الفشقة إلى ود الحليو: مَنْ يبيع القضارف قطعةً قطعة؟


بقلم/ حمد يوسف حمد
على استحياءٍ خجول، وبأعصابٍ تفتقر لأدنى درجات المسؤولية، اكتفى الموقع الرسمي لحكومة ولاية القضارف بتمرير خبر زيارة والي كسلا بعبارة فضفاضة ومستهلكة: «جملة من القضايا ذات الاهتمام المشترك»! نقطة… وانتهى الصمت المريب. لكن ما أخفاه الخبر الرسمي خلف ستائر التكتم الفاضح، هو صفقة باردة تُحاك خلف كواليس الحدود، وتنازلات مجانية تمسّ سيادة الولاية وأمنها الاقتصادي والمجتمعي.
الحقيقة التي لا تجرؤ الحكومة على مواجهتها، هي أن القضارف تُقضم اليوم تدريجياً، وأن أراضيها الزراعية والرعوية في ود الحليو تتعرض لعملية “ضمّ قسري” وهندسة إدارية مشبوهة لصالح ولاية كسلا.
الشرارة التي كشفت المستور انطلقت من اجتماع صاخب للجنة إنجاح الموسم الزراعي، حيث دقّ المزارعون ناقوس الخطر محذرين من إعادة سيناريو “ود الحليو” المرير، الذي انتُزعت أراضيه التاريخية سابقاً من نسيج القضارف. هؤلاء المزارعون لا يطلقون تحذيرات عبثية، بل يدركون تماماً أن تلك الأراضي هي الشريان النابض لاقتصاد الولاية وصمام أمان استقرارها. والأسوأ من ذلك، أن الاجتماع لمّح بصوتٍ عالٍ إلى صراعات وشيكة قد تُفكّك السلم المجتمعي بين الولايتين، نتيجة سياسات الرعونة والتقاعس.
والمصيبة الكبرى تكمن في أن الخنجر جاء من القريب قبل البعيد؛ فأصحاب هذه الأراضي يُحمّلون حكومة القضارف وزر هذه الخيانة الصامتة، بعد أن سمحت عرفاً لا قانوناً لحكومة كسلا باستباحة الأراضي للرعي في توقيتات معلومة ودون أدنى استشارة لأصحاب الحق الأصليين. ولم تكتفِ السلطة المحلية بذلك، بل أرسلت لجنةً مشبوهة لحصر الأراضي وتقاسم ملكيتها بنسب معلومة مع نافذين، متجاهلةً تماماً أن الأرض تنتمي لمن يحرثها ويعرق فيها، لا لمن يتاجر بمقدراتها خلف الأبواب المغلقة.
من هنا يبرز السؤال الذي يصرخ به الرأي العام في وجه والي الولاية: ما الذي تخططه في الخفاء وأنت تبدي هذا الهوس المفاجئ بالحدود؟ بالأمس القريب، رأينا كيف أُشغلت لجان المقاومة ونشطاء الفشقة بملفات جانبية وتشتيت متعمد، واليوم يتكرر ذات السيناريو بحذافيره في ود الحليو! أهو عجز إداري، أم تنفيذ لأجندات خفية تفرّط في حقوق الولاية؟
وامتداداً لهذا المسلسل الأسود، تأتي أراضي البساتين الزراعية المحاذية لولايتي كسلا والقضارف (والتي يقود لجنتها المزارع الصلب كرم عباس الشيخ)، لتكشف عمق الفراغ الإداري والسياسي المدمر الذي تعيشه القضارف اليوم. فالفراغ هناك يتسع ليشمل أراضي الهشابة والمدينة (8) بمنطقة السد، حيث شكّل الوالي لجان حصرٍ وهمية لتحديد نسبٍ حكومية مجهولة المصير، يلفها الغموض حول ما إذا كانت ستؤول لخزينة الولاية أم ستُسلب لصالح أفراد نافذين في منظومة الفساد.
رسالتنا الواضحة المعالم إلى حكومة المركز: التفتوا جيداً إلى الفراغ القاتل الذي تعيشه القضارف قبل أن ينفجر البركان. فالأرض ليست ملكاً لوالي يمنحها هديةً، ولا لِجانٍ تفصل الحصص على مَقاس المصالح الشخصية. إنها قضية وجود، وكرامة، وخبزٍ للمواطنين.
آخر الكلام
إن ما يحدث في حدود القضارف الشرقية والغربية ليس مجرد خلاف إداري عابر، ولا هو خطأ عفوّي يمكن تجاوزه ببيانات الاستجداء والتبرير؛ بل هو مساس خطير بسيادة الولاية وأمنها القومي والمجتمعي. إن الأرض التي تُفرّط فيها السلطة اليوم هي كرامة جيل كامل وقوت أجيال قادمة، والصمت عنها جريمة لا تسقط بالتقادم.
فليعلم الجالسون على كراسي السلطة أن صبر المزارعين وأهل القضارف ليس ضعفاً، وإنما هو ترقبٌ حذر لانفجار بركان لن يُبقي ولن يُذر إن استمر العبث بالمقدرات. التاريخ لن يرحم من فرّط، والشارع لن يسامح من باع الحق باسم “التفاهمات المشتركة”. وآخر الكلام: إن لم تتحرك حكومة المركز فوراً لردم هذا الفراغ الإداري ومحاسبة تجار الحدود، فإن القضارف ستدافع عن ترابها ووجودها بكتف رجالها ووعي أبنائها.. وإن غداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات