قبل أشهر، كان السؤال الذي يتكرر بيننا جميعًا:
هل عادت الحياة إلى الخرطوم؟
كان سؤالًا طبيعيًا في مدينة خرجت من حرب قاسية، وما زالت تحاول أن تستعيد أمنها وبيوتها وخدماتها وأسواقها، بل وحتى تفاصيلها الصغيرة التي اعتدنا عليها.
واليوم، وقد عادت الحركة إلى كثير من الشوارع، وفتحت الأسواق أبوابها، واستأنفت بعض المدارس والمؤسسات أعمالها، وعادت أسر كثيرة إلى منازلها، بدأت الخرطوم تستعيد شيئًا من ملامحها.
لكن السؤال نفسه لم يعد كافيًا.
هناك سؤال أقرب إلى الإنسان:
هل عادت إليك حياتك أنت في الخرطوم؟
فقد تعود إلى بيتك، لكنك لا تجد بعدُ حياتك التي كانت فيه.
قد يعود الموظف إلى منزله، لكن مؤسسته لم تستعد قدرتها على العمل كما ينبغي. وقد يعود الطالب إلى مدرسته، بينما تواجه أسرته صعوبات المواصلات أو نقص بعض الخدمات. وقد يفتح التاجر متجره، لكنه لا يجد السوق قد استعاد دورته الطبيعية.
وهنا يظهر الفرق بين عودة الناس وعودة الحياة.
عودة الناس يمكن قياسها: عدد الأسر التي رجعت، المساكن التي أُعيد إشغالها، المدارس التي فتحت أبوابها، والأسواق والمرافق التي بدأت العمل.
أما عودة الحياة فتقاس بقدرة الإنسان على استعادة يومه.
أن يخرج إلى عمله ويعود منه بأمان. أن يجد مدرسة لأبنائه، ومستشفى يستطيع الوصول إليه، وسوقًا يقضي فيه حاجاته، ووسيلة نقل معقولة، ودخلًا يساعده على الاستقرار. وأن يشعر، قبل ذلك كله، أن المدينة من حوله تعمل، وأن هناك غدًا يمكن أن يخطط له.
وهذا هو المعنى الأعمق للتعافي.
فالتعافي العمراني ليس مجرد إصلاح مبنى أو شارع، ولا إعادة شبكة مياه أو كهرباء إلى الخدمة، رغم أهمية كل ذلك. فالمدينة في النهاية منظومة مترابطة: مدرسة، ومستشفى، وسوق، ومؤسسة، وطريق، ووسيلة نقل، وفرصة عمل، تتصل جميعها لتصنع حياة الناس اليومية.
لذلك، ربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى تغيير بعض أسئلتنا.
بدلًا من أن نسأل فقط:
كم شخصًا عاد إلى الخرطوم؟
علينا أن نعرف:
كيف يعيش هؤلاء العائدون؟
أي الأحياء بدأت تستعيد سكانها؟ أين ما زالت الخدمات ناقصة؟ ما الذي يمنع الأسرة من الاستقرار؟ أين توجد فرص العمل؟ وكيف تتحرك الأسر بين السكن والعمل والتعليم والخدمات؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل معلومات تحتاجها الدولة لتوجيه مواردها وترتيب أولوياتها.
فقد تستقبل المدينة أعدادًا كبيرة من العائدين، ومع ذلك يظل كثير منهم غير قادرين على بناء حياة مستقرة.
أما حين يستطيع الإنسان أن يسكن، ويعمل، ويتعلم، ويتحرك، ويقضي حاجاته، ويشعر أن مستقبل أسرته ممكن في هذه المدينة، فهنا تبدأ عودة الحياة بمعناها الحقيقي.
لقد انتقلنا خلال الفترة الماضية من سؤال:
هل يمكن العودة؟
إلى سؤال:
كيف نعيد تشغيل المدينة؟
وربما حان الوقت الآن لسؤال أكثر قربًا من الإنسان:
كيف نجعل من عاد إلى الخرطوم قادرًا على استعادة حياته فيها؟
فالتعافي هو الجسر بين الحرب والإعمار، لكن نجاح هذا الجسر لا يقاس بعدد المباني التي أُصلحت وحدها، وإنما بقدرة الإنسان على العبور منه إلى حياة مستقرة.
فالخرطوم لا تستعيد عافيتها لمجرد أن يسكنها الناس من جديد.
تستعيد عافيتها عندما يستعيد الناس حياتهم فيها.
ومن هنا، ربما لم يعد السؤال:
هل عادت الحياة إلى الخرطوم؟
بل أصبح السؤال الذي يخص كل واحد منا:
هل عادت إليك حياتك أنت في الخرطوم؟
م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
