الخميس, سبتمبر 24, 2026
الرئيسيةتقاريردبلوماسية المحاور المتصارعة،تقاطعات القوى الكبرى تشعل أروقة الأمم المتحدة

دبلوماسية المحاور المتصارعة،تقاطعات القوى الكبرى تشعل أروقة الأمم المتحدة

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
تحت شعار “إستعادة الثقة،وإدارة التحول..أمم متحدة في خدمة الجميع”، إنطلقت أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك،وسط تحولات “جيوإستراتيجية”غير مسبوقة وإعادة تشكيل لخريطة التحالفات الدولية والإقليمية.
​لم تكن الدورة الـ81 مجرد منصة خطابية دعائية،بل مرآة لعكس مترتبات الخطاب الدبلوماسي العالمي”متعدد الأقطاب”، داخل أروقتها،خطاب يظهر أزمة عميقة يعيشها النظام الدولي،ويسلط الضوء في ذات الوقت،على الإنقسام البنيوي بين القوى الكبرى والوسيطة،ويوضح الضغط المتزايد من دول الجنوب العالمي.

​*الملف الإيراني..تصعيد الخطاب وإستراتيجية العزل الشامل:
​شكل الملف الإيراني ومايزال،أحد أبرز محاور القطبية الدبلوماسية خلال الجلسة الإفتتاحية،فيما وضع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”في خطابه، حداً صارماً لمنع “طهران” من حيازة وإمتلاك السلاح النووي،داعياً المجتمع الدولي إلى الإنتقال من التضييق التدريجي إلى خيار “العزلة الإقتصادية الشاملة”.
​ يرى المتابعون للشأن الأمريكي،أن ربط “ترامب” لخيارات المواجهة أو إبرام إتفاق بالمدى الزمني لإنتخابات التجديد النصفي الأمريكية،يحمل رسالة مزدوجة تتعدى ردع “طهران”لتستهدف الداخل الأمريكي،رسالة مفادها: أن “واشنطن”تضع إستراتيجياتها الإقليمية على طاولة التفاوض الحاد،وترهن ذلك بمهلة زمنية محددة ضيقة،قد تتطلب إلتزاماً قسرياً من الحلفاء والخصوم على حد سواء.

​* الهندسة الإقليمية للشرق الأوسط..قمة نيويورك و”رهان غزة”:
​على هامش أعمال الجمعية العامة،تحولت “نيويورك” إلى ساحة “هندسة دبلوماسية”مكثفة لأحداث الشرق الأوسط الملتهبة،وذلك من خلال إنعقاد القمة الإقليمية التي جمعت “واشنطن”مع قادة وممثلي دول مجلس التعاون الخليجي،ومصر، والأردن،والعراق،وتركيا، ولبنان، وسوريا.
​جاء ذلك بالتزامن مع إشادة “ترامب”بالدور العربي والإسلامي،المتعلق بإقرار خطة السلام بقطاع “غزة”،لتكرّس تحولاً في أسلوب الإدارة الأمريكية نحو الإعتماد على الشركاء الإقليميين لتحمل مسؤوليات إدارة المنطقة،وفقا لموجهات السياسة الأمريكية.
​وفي السياق،عكس الحضور الموسع للقمة، رغبة”واشنطن”في إيجاد صيغة أمنية تمهد لمرحلة ما بعد الإتفاق،وسط تخوفات إقليمية من هشاشة الهدن الفائتة وتفجر الأوضاع العسكرية مرة أخري،في حال تعثرت مسارات الوساطة والحل السياسي الشامل.

​*متغيرات الدبلوماسية.. تحولات المشهد السوري ومحاور الشرق الأوسط – أوروبا:
​شهدت الدورة الحالية للأمم المتحدة تقاطعات مفصلية،ربما أسهمت في ترتيب بعض ملفات النزاع الأكثر تعقيداً،فقد شكل حضور الوفد السوري الرسمي برئاسة”أحمد الشرع”حدثاً إستثنائياً ولفتة فارقة في تاريخ أروقة الأمم المتحدة، حيث تعكس المشاركة المساعي الحثيثة لسوريا الجديدة في تثبيت الشرعية الدولية وتبديل الإنطباعات السياسية والأمنية والعقائدية بعد تحول المشهد الداخلي، وذلك وسط ترقب دولي لكيفية إدارتها لملفات الإندماج الإقليمي والدولي.
​في غضون ذلك،جاء الحراك الدبلوماسي لوزير الخارجية الأمريكي”ماركو روبيو” مع نظيره الروسي “سيرغي لافروف”،واللقاء المرتقب بين “ترامب” والرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، مؤشرا بارزا على وجود قنوات خلفية تبحث عن إطار تسوية أو خروج آمن من إستنزاف الحرب الأوكرانية،في ظل الضغوط الإقتصادية المتزايدة على الطرفين.

​*أزمة الشرعية والمطالبة بإصلاح الهيكل الأممي:
​بلغت الدورة الـ81 ذروة النقد المؤسسي للهيكل التنفيذي للأمم المتحدة، لتبدو الأمانة العامة ومجلس الأمن في مواجهة صريحة مع الخطاب العالمي المحبط،نتيجة فشل المؤسسات العالمية إزاء إيجاد حلول للأزمات والحروب التى تجابه العالم من مختلف الإتجاهات،يأتي ذلك في الوقت الذي ألقي فيه “غوتيريش”خطابا وداعيا في آخر دورة له،قبل نهاية ولايته في العالم الحالي، حذر فيه من تحول العالم إلى “غابة”ينفلت فيها السلاح خارج أطر الرسمية و الدبلوماسية،كما وصف غياب التمثيل الأفريقي الدائم في مجلس الأمن بـ”الظلم التاريخي الواجب التصحيح”،مؤكداً تراجع قدرة المنظمة على إيجاد مخرج للكثير من المشكلات والتعقيدات.

*​البرازيل وتركيا..فشل بنيوي لمجلس الأمن: تصريحات الرئيس البرازيلي”لولا دا سيلفا” والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”سلطت الضوء على حالة الفشل البنيوي الكبير لمجلس الأمن،موضحين أن “حق الفيتو”والتقاعس الدولي، جعلا العالم رهينة للحسابات الضيقة للقوى الكبرى،وهو ما يدفع دول الجنوب العالمي لبناء تحالفات موازية بعيداً عن مظلة الأمم المتحدة التقليدية.
موضوعات أخري غاية في الأهمية،تطرقت لها الجلسات رفيعة المستوى،أبرزها كيفية التوزيع العادل للطاقة،وقضية الفقر في الدول النامية،لا سيما مع تأخر الدول الصناعية الكبرى في الإيفاء بتمويل الصندوق العالمي للخسائر والأضرار.بينما فرضت الطفرة الهائلة في الذكاء الإصطناعي نفسها على أروقة الجمعية العامة، حيث تسعى المنظمة لصياغة”ميثاق رقمي عالمي”،يضع كوابح حقيقية لمخاطر النماذج الناشئة،وتأثيراتها المحتملة على سوق العمل، والأمن السيبراني، وموجات التضليل الإعلامي.

*إنتقادات واسعة لدور الأمم المتحدة فى حلحلة المشكلات العالمية:
أفتتاحية صحيفة “عمان” والتي جاءت بتاريخ ٢١ سبتمبر2026،قالت:(تأتي هذه الكثافة الدبلوماسية في لحظة تتسع فيها الحروب وتضيق فيها مساحات الإتصال، فالصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والسودان والكونغو وميانمار تضع النظام الدولي أمام إختبار يتجاوز قدرة الخطب والقرارات على وصف المأساة.وقد إختارت الدورة لنفسها عنوان “إستعادة الثقة، وإدارة التحول”وهو عنوان يكاد يصف المشكلة قبل أن يقترح لها جوابا.الثقة بين القوى الكبرى تراجعت، وقنوات الحوار نفسها أصبحت عرضة للإنقطاع كلما إرتفعت وتيرة المواجهة.
وقال “ريتشارد جوان” من مجموعة الأزمات الدولية في إفادة نشرت علي موقع قناة الجزائر الدولية:إنه وبعد مرور ما يزيد على عام على عودة “ترامب” للبيت الأبيض،لم نعد نقول إن الأمم المتحدة في حالة سقوط حر، لكننا نقول إنها عالقة في أزمة مفتوحة الأمد.وشبّه وضع المنظمة الآن قائلاً:”ربما لا تكون الأمم المتحدة في حالة حرجة كما كانت في العام الماضي،لكنها تبدو وكأنها ستظل عالقة في قسم رعاية الإصابات الخطيرة إلى أجل غير منظور”.
الخبراء الدوليون”ريتشارد غوان ودانيال فورتي)،قالا:إن إنشاء آليات وهيئات موازية، مثل “مجلس السلام”الذي تقوده الإدارة الأمريكية برئاسة “دونالد ترامب” للتعامل مع ملف إعمار “غزة”،يمثل تراجعاً صريحاً في دور الوكالات الأممية التقليدية (مثل الأونروا)، ويعدّ نوعاً من الإلتفاف على مجلس الأمن الدولي.
مما سبق،يتضح
أن آراء ومواقف الخبراء والمحللين السياسيين حول الدورة الحادية والثمانين (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة،كانت بمثابة التشخيص الدقيق لأزمة ثقة عميقة وشلل مؤسسي يواجه المنظومة الدولية، لا سيما في ظل تصاعد حدة النزاعات “الجيوسياسية”كالمواجهة مع إيران،وحرب غزة، والأزمة الأوكرانية، والصراع في السودان.
مايؤكد أن المنظمة محاصرة ب”أزمة مؤسسية مفتوحة”،وأن مجلس الأمن قد عجز عن فرض قراراته أو فرض وقف حقيقي لإطلاق النار في النزاعات الكبرى(غزة، أوكرانيا، السودان)،مما أفقده الكثير من وزنه.
أدي ذلك لبروز إنقسام حاد بين رؤية الأمم المتحدة الداعية لفرض قيود دولية مستقلة،وبين توجه القوى العظمى (الولايات المتحدة، الصين، وروسيا)، التي تبدي إعتراضاً واضحاً على أي قواعد خارجية تحد من وتيرة تطويرها التكنولوجي والعسكري في هذا المجال.
​تؤكد جلسات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة،أن المنظمة الدولية تقف عند مفترق طرق،فبينما تحاول العواصم الكبرى فرض معادلاتها بالقوة والدبلوماسية الخشنة، ترفع معظم دول العالم صوتها مطالبةً بإنهاء حقبة “الهيمنة الفردية”وتفعيل التعددية الحقيقية.
نجاح هذه الدورة لا يُقاس بحجم التوافق في الخطابات،بل بقدرة الإرادة الدولية على تحويل خطة “غزة” والتسويات المرتقبة وملفات حوكمة التكنولوجيا إلى واقع عملي يمنع إنهيار ما تبقى من قواعد السلم والأمن العالمي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات