الأربعاء, سبتمبر 23, 2026
الرئيسيةمقالاتالوالِي الَّذِي بَاعَ الجُغْرَافِيَا.. وَعَطَّشَ التَّارِيخَ! ...

الوالِي الَّذِي بَاعَ الجُغْرَافِيَا.. وَعَطَّشَ التَّارِيخَ! بقلم: حمد يوسف حمد


ما كان للفسادِ في ولايةِ القضارف أن يتغوّل، ولا لِجُرأتهِ أن تتمدّد لتستبيح الأرض والماء، لولا أنه أدرك أمراً واحداً: أن السلطة هناك قد تخلّت عن منطق «الدولة»، وارتضت لنفسها أن تُدار بأسلوب «المقاطعة الخاصة»!
حين تضيق بك الحيلة كصحفي يستقصي شؤون هذه الولاية المكلومة، لا تملك إلا أن تتساءل: كيف لولايةٍ ترقد على بحرٍ من المياه الجوفية والمواسم المطيرة، أن تعيش عطشاً يقطع الأنفاس منذ عقود؟ الإجابة لا تكمن في الجغرافيا، بل في «مشروع الحل الجذري».. ذلك الفردوس المفقود الذي تحوّل بفضل سدنة السلطة من «طوق نجاة» إلى «كعكة مليارية» تُلتهم في الخفاء والعلن!
إنها المهزلة المبكية؛ لجنةٌ تُسمّى بالحل الجذري، يجلس على سدتها «معاشيٌّ» لا يحمل من التخصص سوى حظوة القرب، ليتناول هو وطاقمه حوافز شهريّة تتجاوز الـ (11) مليار جنيه! أحد عشر ملياراً تُصرف شهرياً جهاراً نهاراً من دم المواطن العطشان، لسرابٍ لم يروِ طفلاً ولم يبلّ حلقاً. ثم يأتي الوالي في خطوة تجسّد ذروة الارتجال ليفرض «عبقريته الهندسيّة» على أهل الاختصاص، فيوجّه بزيادة سعة الخط الناقل بقرى الوسط! وحين ينبهه المهندسون إلى أن شطحته هذه ستنسف المشروع وتؤدي لانهياره الفني، يختار الحل الأسهل: تجميد العمل بالكامل وإدخال المشروع في المجهول.. وكأن العطش قضاءٌ وقدر، وليس بفعل فاعل!
ولأن الشرَّ يجرُّ الشَّر، لم يكتَفِ السيد الوالي بقتل أمل المياه، بل اندفع بنزقٍ سياسي ليعلن فسخ العقد مع المقاول الصيني المُنَفّذ! تصريحٌ أقل ما يُقال عنه إنه «خبلٌ إداري»؛ فالرجل نسى أو تناسى أن القضارف مجرد جهة «مستفيدة»، وأن مالك المشروع القانوني هو «وحدة تنفيذ السدود». ولم تمضِ ساعات حتى خرج وزير الري الاتحادي ليكذّب الوالي، مؤكداً استمرار الشركة الصينية.. ليتكشف للشعب حجم الفراغ والإرباك الذي يفصل بين حكومة القضارف والمركز.
لكن، هل يقف العبث عند شربة الماء؟
يا هداك الله.. لو كان الأمر ماءً لهان، لكنها «الأرض».. الجريمة الكبرى التي تُرتكب بسكّين باردة!
الآن، وفي ظل هذا الوالي الذي حطّم رقماً قياسياً بطرد واستبدال مدير مكتبه لأكثر من أربع مرات في ظاهرة إدارية تستحق التسجيل في كتاب «جينيس» للارتباك تُباع القضارف بالمزاد العلني. سوق القضارف الكبير، حي الموظفين العريق، وشارع الستين.. لم تتبقّ فيها مساحات أو أراضٍ إلا وطالتها يد التخصيص والمحاسبة بالترليونات. ترليونات تُهدر وتتطاير في الهواء دون أن يدخل منها قرشٌ واحد في ميزانية التنمية أو يرمم جدار مدرسة أو يشتري دواء لمستشفى!
إلى متى يصمت المركز؟ وإلى متى تُترك القضارف فريسة لإداراتٍ تُدار بروح «الهمبتة» التنموية؟ إن ما يحدث ليس سوى «استباحة كاملة» لولايةٍ صابرة.
وهنا لابد من كلمة أصلها ثابت: إن الذين ظنوا أن الليل سيطول، وأن الغبار سيعمي الأبصار عن عورات هذا الفساد، قد أخطأوا الحساب؛ فبين أيدينا اليوم «ترسانة من المستندات».. أوراقٌ رسمية، عقودٌ بالباطن، إيصالات الملايين والترليونات، ومحاضر الاجتماعات المكتومة. كل توقيعٍ مشبوه، وكل خطة جائرة، وكل بقعة أرضٍ انتُزعت بالحيلة، مدوّنةٌ بالاسم والرقم والمكان. لن نكتفي بالصراخ في العراء، بل سنُخرج هذه الوثائق للعلن ورقةً ورقة، ومستنداً تلو مستند، لنضع الجميع من الوالي إلى أصغر متورط أمام مجهر الحقيقة والمساءلة القانونية والتاريخية.
أيها الوالي.. المياه لم تصل، والأراضي قُسِّمت، والمستندات أُكتملت، والصبر نفد.. وما بعد هذا الكلام.. إلا آخِر الكلام!
ولنا عودة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات