الثلاثاء, سبتمبر 22, 2026
الرئيسيةتقاريرفي رحاب الشكرية.. مدرسة الحياة التي لا جدران لها

في رحاب الشكرية.. مدرسة الحياة التي لا جدران لها

هاني عثمان
آمنتُ بالشكرية حضارةً عظيمة، وأيقنتُ أن التعليم ليس حكرًا على قاعات الدراسة، ولا تُقاس المعرفة بعدد الشهادات وحدها؛ فهناك مدارس لا جدران لها، ولا أجراس تنادي طلابها، لكنها تخرّج رجالًا يعرفون معنى الكرامة، وقيمة الوفاء، وأصول الحكمة، و حسن التعامل.
في بوادي الشكرية وبطانة الخير، يتجسد هذا المعنى بصورة مختلفة؛ فالحياة نفسها مدرسة، والبادية كتاب مفتوح، وتجارب الآباء والأجداد دروس متوارثة، والمجالس ساحات للتعلم، ومواقف الرجال مراجع في الحكمة والشجاعة والمسؤولية.
هناك يتعلم الإنسان أن الكرم ليس شعارًا، وأن الضيافة ليست عادة عابرة، وأن احترام الكبير وتقدير الجار وإغاثة المحتاج وحفظ العهد قيمٌ تُمارس قبل أن تُكتب في الكتب.
وفي البطانة، لا يتوقف التعليم عند حدود المعرفة الأكاديمية، بل يمتد إلى مدرسة الحياة؛ حيث يتعلم الأبناء من آبائهم معنى المسؤولية، ومن الشيوخ الحكمة، ومن الإدارة الأهلية فن الإصلاح، ومن الأرض الصبر، ومن حياة البادية الصمود والتكيف مع الظروف.
إن الشكرية ليست مجرد اسم لقبيلة أو مساحة جغرافية، بل موروث اجتماعي وثقافي متجذر، وحكاية أجيال صنعت حضورها بالقيم والعمل والتكاتف، وحافظت على إرثها وهي تنتقل به من جيل إلى جيل.
ولعل أجمل ما في البادية أنها تعيد الإنسان إلى جوهره؛ بعيدًا عن ضجيج المدن، حيث تصبح البساطة قيمة، والكرم موقفًا، والمروءة سلوكًا، والوفاء عهدًا.
بطانة الخير ليست مجرد بادية… إنها مدرسة مفتوحة على امتداد الأرض، يتعلم فيها الإنسان دروسًا لا تمنحها قاعات الدراسة وحدها.
ومن هنا، آمنتُ بالشكرية حضارةً، وأيقنتُ أن في هذه البادية كنوزًا من المعرفة والقيم والتجارب تستحق أن تُروى، وأن تُوثق، وأن تصل إلى الأجيال القادمة؛ لأن الأمم لا تحفظ تاريخها بالكتب فقط، بل تحفظه أيضًا بالرجال والقيم والحكايات التي تصنع وجدانها.

الشكرية حضارة تُعاش، والبطانة مدرسة تُلهم، وبطانة الخير ذاكرة وطن لا تنضب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات