كل عام، وفي ذات الموعد تقريبا، يعقد مؤتمرا للشهادة الثانوية السودانية تُعلن فيه النتائج ويذاع المئة الأوائل الذين حصلوا على 95% فما فوق.
تتعالى الزغاريد، وتُرفع الأهازيج، وتُلتقط الصور، وتُعلّق أسماء الأوائل، وتُفتح أبواب الفرح على مصاريعها.
نرى الطالب الأول محاطًا بأسرته، ونسمع عبارات التهنئة والإشادة بعبقريته وتفوقه، ويُحتفى به في وسائل الإعلام وكأنه أحد صُنّاع المستقبل.
لكن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه هو:
ماذا حدث لهؤلاء الأوائل بعد سنوات؟
أين هم؟ أين أثرهم في الصناعة والزراعة والطب والبحث العلمي والتكنولوجيا والتعليم؟
أين مشاريعهم؟
أين اختراعاتهم؟
أين أفكارهم التي غيّرت حياة الناس؟
أين المؤسسات التي أسسوها؟
أين المزارع الحديثة والمصانع والمختبرات والمدارس المبتكرة التي كان يفترض أن تكون بعض ثمار ذلك التفوق؟
اين هم من نهضة البلاد وتطورها …. تلك البلاد التي دمرها تأمر الخارج والداخل
ومن باب الإنصاف والعدل “هل تكمن المشكلة في الطلاب المتفوقين”؟
الحق أنهم مجتهدون، أذكياء ولديهم قدرات حقيقية تستحق التقدير.
لكن السؤال الأعمق هو: هل نحن نكتشف تفوقهم الحقيقي، أم نكتشف قدرتهم على النجاح في نظام الامتحان؟
هناك فرق كبير بين الاثنين، قد يستطيع الطالب حفظ عشرات الصفحات، واسترجاع المعلومات بدقة، وحل الأسئلة المتوقعة، والحصول على الدرجة النهائية.
لكن هل يستطيع أن يسأل سؤالًا جديدًا؟
هل يستطيع أن يشكك في فكرة؟
هل يستطيع أن يبحث؟
هل يستطيع أن يبتكر؟
هل يستطيع أن يحول المعرفة إلى منتج؟
هل يستطيع أن يحل مشكلة حقيقية في مجتمعه؟
هل يستطيع أن يفشل ثم يحاول من جديد؟
هل يستطيع أن يقود فريقًا؟
هل يستطيع أن يصنع فرصة عمل بدل أن ينتظر وظيفة؟
هذه هي الأسئلة التي تكشف التفوق الحقيقي.
حين يتحول التعليم إلى سباق درجات
المشكلة تبدأ عندما يصبح هدف المدرسة كيف نحصل على أعلى الدرجات؟ بدلا من كيف نصنع إنسانًا قادرًا على صناعة المستقبل؟
عندها يبدأ الجميع في العمل من أجل الامتحان. المعلم يشرح ما سيأتي في الامتحان.
والطالب يحفظ ما شرحه المعلم. والأسرة تسأل عن الدرجة. والمدرسة تحتفي بنسبة النجاح. والمجتمع يبحث عن الأوائل.
ثم نصل في النهاية إلى طالب يعرف الإجابة الصحيحة في الامتحان، لكنه قد لا يعرف كيف يصنع إجابة لمشكلة لم يرها من قبل.
وهنا يصبح التفوق رقمًا جميلًا على الورق، لا قوةً منتجة في الواقع.
والسؤال الأخطر هو لماذا لا نتابع الأوائل*؟
لو كان الطالب الذي حصل على 98% هو نموذج النجاح الذي نحتفي به، فلماذا لا نسأل عنه بعد عشر سنوات؟
بل بعد عشرين سنة؟
أين أصبح؟
ماذا قدم؟
كم بحثًا أنجز؟
كم مشروعًا أسس؟
كم إنسانًا وظّف؟
كم مشكلة حل؟
كم طالبًا علّم؟
كم حياةً غيّر؟
كم فكرةً حوّلها إلى واقع؟
وهذا هو موضوع المقال التالي!!!!
