في كل مأساة وطنية تُراق فيها الدماء وتُنتهك فيها الحرمات، تبدأ عملية فرز أخلاقية حاسمة لا ترحم. تُسقط الحروبُ الأقنعةَ الملونة، وتعرّي الوجوه التي ظلت لسواتر طويلة تتجمّل بالمبادئ والشعارات البراقة. وفي الوقت الذي يقف فيه عامة الشعب في معركة وجود حقيقية لحماية كرامتهم وأرضهم ومؤسساتهم، تطلّ علينا ظاهرة لا تقل خطورة ولا قبحاً عن أصحاب البنادق.. ظاهرة يمكن تسميتها بلا تردد: “جنجويد الوسط الإعلامي والفني”.
ليست هذه التسمية مجرد مجاز صحفي أو شتيمة سياسية، بل هي توصيف دقيق لسلوك يُسقِط حرمة الكلمة، ويمارس استباحة منظمة للوعي الجمعي. إنهم أولئك الذين يرتدون ثوب الثقافة والإعلام، بينما يمارسون في الواقع ذات فعل الانتهاك والنهب والارتزاق، لكن بأدوات مختلفة: بالقلم، والكاميرا، والمايكروفون.
تعرفونهم جميعاً.. تراهم يتصدرون الشاشات والمنابر بنفس الوجوه الكالحة واللسان الملتوي. إن الخطورة الحقيقية لهذا الفصيل لا تكمن في خيانته الواضحة فحسب، بل في “النفاق المزدوج” الذي يقدمه على أنه “رأي” أو “تنوير”. هم ذاتهم الذين يتبدلون بين عشية وضحاها؛ يتنقلون بين الموائد، يبررون الجريمة إذا كانت تدفع أكثر، ويصمتون عن الحق إذا كان ثمنه الاستبعاد من المنصات أو تجفيف القنوات المالية.
يمارس هؤلاء أقذر أنواع “الرقص على الجراح”. يرتدون زي الحياد المفتعل وخديعة “لا للحرب” هذا الزيف الآخر الذي صنعوه خصيصاً لتكبييل الأيادي وتخدير العقول حين يتطلب الواجب موقفاً أخلاقياً صريحاً، ثم يطلون بوجوه صفيقية ليحاضروا في “الموضوعية” و”السلام”. يضمرون كراهية سوداء للقوات المسلحة والمؤسسة العسكرية الوطنية لأنها صخرة الحق التي وقفت حائلاً دون إفشال مشروعهم وتفتيت البلاد، بينما هم في الحقيقة ليسوا سوى تجار حروب، يستثمرون في دماء أهلهم وخراب بيوتهم.
إن “جنجويد الإعلام والفن” لم يكتفوا ببيع الكلمة، بل عملوا على تسطيح القضايا المصيرية، وإزاحة الشرفاء والمبدعين الحقيقيين الذين رفضوا البيع والشراء في سوق النفاق. هم اليد الناعمة التي تغسل جرائم البغاة، وتحاول إضفاء الشرعية على كل من يدفع الثمن.
لكن ما يغفل عنه هؤلاء الأدعاء هو أن الذاكرة الوطنية ليست ثقباً أسود. إن الشعب الذي اكتوى بنار الحروب والنزوح يفهم تماماً الفارق بين المبدع والإعلامي الذي يقف موقف الرجال، وبين المرتزق الذي يقتاد من أزمات وطنه. لن نكتفي بالتشخيص، بل سننشر الحقيقة كاملة؛ ولنا مقالات متلاحقة نكشف فيها بالأسماء والأرقام من هم، ومن يدعمهم ويمول مشروعهم المشبوه، ومن يقف خلف الكواليس لإدارة هذا العبث.
سيعبر الوطن هذه المحنة، وسينجلي الغبار، وحينها لن يذكر التاريخ أصحاب البنادق وحدهم بالخزي، بل سينزل أقسى أحكامه على “جنجويد الكلمة” الذين اختاروا أن يكونوا الوجه الآخر للجريمة.. والوجه الأشد قبحاً للنفاق.
(تُحرر هذه السطور لتكون شهادة على موقف لا يقبل الرمادية، فالكلمة إما أن تكون موقفاً شريفاً يحمي الوطن ومؤسساته، أو خنجراً في ظهره).
