أثارت التطورات السياسية والدستورية التي شهدها السودان منذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، ثم اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، إشكالات قانونية ودستورية معقدة تتصل بمفهوم الشرعية، وطبيعة السلطة القائمة، ومدى تأثير السيطرة الفعلية على إقليم الدولة في المركز القانوني للحكومة، فضلاً عن ظهور سلطة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وحلفاؤها.
وقد انعكست هذه الإشكالات على بعض التوصيفات القانونية للوقائع والأشخاص، الأمر الذي يقتضي التمييز بين الشرعية الدستورية والاعتراف الدولي والسيطرة الفعلية، وبين ممارسة السلطة باعتبارها أمراً واقعاً.
ومن المهم ابتداءً التأكيد على أن الدولة لا تفقد شخصيتها القانونية الدولية لمجرد تعرضها لأزمة دستورية أو تغيير غير دستوري للحكومة أو نزاع مسلح أو انقسام في السيطرة على إقليم الدولة.
فالدولة باعتبارها شخصاً من أشخاص القانون الدولي تختلف عن الحكومة باعتبارها الجهة التي تتولى ممارسة السلطة التنفيذية وتمثيل الدولة.
ولذلك فإن النزاع حول شرعية الحكومة أو طريقة وصولها إلى السلطة لا يعني بذاته زوال الدولة أو انتقال شخصيتها القانونية إلى جماعة مسلحة أو سلطة موازية.
وبالرجوع إلى الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، نجد أنها حددت مؤسسات الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها مجلس السيادة باعتباره رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها، ومجلس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية، إلى جانب السلطة التشريعية التي كان من المقرر قيامها خلال المرحلة الانتقالية.
كما حددت الوثيقة اختصاصات هذه المؤسسات ونظمت العلاقة بينها، ونصت، إلى حين تشكيل المجلس التشريعي، على ممارسة اختصاصاته في اجتماع مشترك بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء وفقاً لما قررته الوثيقة الدستورية.
ومن ثم، فإن ما حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، من حل لمجلس الوزراء وتعليق بعض أحكام الوثيقة الدستورية وإجراءات أخرى اتخذتها القيادة العسكرية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء سياسي عادي، وإنما كان له أثر مباشر على البناء الدستوري الذي نظمته الوثيقة الانتقالية.
وقد اتخذ الاتحاد الأفريقي موقفاً واضحاً من تلك الأحداث، واعتبرها تغييراً غير دستوري للحكومة، وعلّق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي إلى حين استعادة النظام الدستوري.
غير أن عدم دستورية الطريقة التي تم بها تغيير الحكومة لا تعني أن السودان أصبح دولة بلا حكومة، ولا تؤدي بذاتها إلى زوال شخصيته القانونية الدولية.
كما لا تعني أن أي جماعة مسلحة تنازع السلطة المركزية تصبح، بمجرد منازعتها لها، صاحبة الحق في تمثيل الدولة أو في إنشاء حكومة بديلة تتمتع تلقائياً بالشرعية ذاتها.
وتزداد أهمية هذا التمييز في ظل النزاع المسلح السوداني الراهن، بعد ظهور ما يسمى بالسلطة أو الحكومة الموازية في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها. فحتى مع التسليم بوجود سلطة فعلية تمارس بعض مظاهر الحكم والإدارة في منطقة معينة، فإن ذلك لا يؤدي تلقائياً إلى اعتبارها حكومة السودان الشرعية أو الممثل القانوني للدولة السودانية في المجتمع الدولي.
وقد أصبح موقف الاتحاد الأفريقي من هذه المسألة أكثر وضوحاً؛ إذ رفض إنشاء ما يسمى «الحكومة الموازية» من قبل تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بقيادة قوات الدعم السريع، ودعا الدول الأعضاء والمجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها، مؤكداً أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان وسلامة أراضيه.
وفي الوقت ذاته، لا يفهم من هذا الموقف أن الوضع الدستوري في السودان قد استقر بصورة نهائية، إذ ظل الاتحاد الأفريقي يدعو إلى استعادة الحكم الدستوري وإلى قيام عملية سياسية شاملة تقود إلى مؤسسات مدنية شرعية.
ومن هنا، لا يصح استخدام استمرار الاعتراف الدولي ببعض مؤسسات الدولة باعتباره دليلاً مطلقاً على سلامة الأساس الدستوري للسلطة القائمة.
فالمشروعية الدستورية تستمد أساسها من الدستور أو الوثيقة الدستورية والقواعد التي تحكم انتقال السلطة وممارستها، بينما يمثل الاعتراف الدولي والسيطرة الفعلية مسائل أخرى ينبغي عدم الخلط بينها.
كما أن السيطرة الفعلية على جزء من إقليم الدولة لا تختلط بمفهوم السيادة.
فقد تتمكن جماعة مسلحة من السيطرة على مدينة أو ولاية أو مساحة واسعة من إقليم الدولة وتمارس فيها بعض وظائف الإدارة والحكم، دون أن تصبح بذلك صاحبة السيادة على الإقليم أو الممثل القانوني للدولة. ولذلك فإن وجود سلطة موازية في نيالا، حتى مع امتلاكها قدراً من السيطرة الفعلية، لا يعني أن السودان أصبح دولتين أو أن تلك السلطة أصبحت حكومة السودان وفقاً للقانون الدولي.
والأدق في توصيف الحالة السودانية هو القول إن البلاد تواجه نزاعاً مسلحاً داخلياً بالغ التعقيد، ترتب عليه انقسام فعلي في السيطرة على أجزاء من إقليم الدولة وظهور سلطات أمر واقع متنافسة، مع استمرار الشخصية القانونية الدولية للدولة السودانية ووحدة إقليمها من منظور القانون الدولي.
وقد أكد الاتحاد الأفريقي في مواقفه التزامه بسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، ودعا إلى استعادة السلام والاستقرار والنظام الدستوري.
وينعكس هذا التمييز أيضاً على المسؤولية الجنائية للأشخاص الذين يشغلون وظائف عامة أو عدلية في ظل النزاع الراهن. فليس من السليم قانوناً القول إن مجرد وجود خلاف حول شرعية السلطة القائمة يؤدي إلى إسقاط النصوص الجنائية المتعلقة بالجرائم الواقعة على الدولة أو النظام الدستوري. وفي المقابل، لا يجوز استخدام وصف «السلطة غير الشرعية» وحده لإثبات المسؤولية الجنائية لشخص بعينه، لأن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تقوم إلا بتوافر الأركان المادية والمعنوية للجريمة المنصوص عليها قانوناً.
وعلى هذا الأساس، فإن حالة وكيل النيابة الذي كان يشغل وظيفة عدلية في مؤسسات الدولة ثم عُيّن لاحقاً في منصب النائب العام لدى السلطة الموازية، تقتضي معالجة قانونية مستقلة عن الجدل السياسي العام حول شرعية الحكومة.
فلا يكفي، من جهة، القول إنه كان يمارس وظيفة قانونية في سلطة أمر واقع لنفي المسؤولية عنه، كما لا يكفي، من جهة أخرى، مجرد توليه منصباً في السلطة الموازية لإدانته بجريمة معينة.
وإنما يتعين تحديد الفعل الذي ارتكبه، وتاريخ ارتكابه، وصفته القانونية في ذلك الوقت، ومدى علمه بطبيعة الجهة التي تعامل معها، والقصد الجنائي المصاحب للفعل، ومدى انطباق النص الجنائي المحدد عليه.
ومن ثم، فإن القول بأن غياب الحكومة الشرعية يجعل جريمة تقويض النظام الدستوري مستحيلة يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ؛ لأن النزاع حول شرعية الحكومة لا يؤدي بالضرورة إلى إلغاء النظام القانوني أو تعطيل مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
وفي الوقت ذاته، فإن مجرد وصف سلطة ما بأنها حكومة شرعية لا يعفي جهة الاتهام من إثبات جميع عناصر الجريمة وفقاً للقانون.
وتأسيساً على ذلك، فإن الجدل حول أحداث أكتوبر 2021 لا يصلح وحده أساساً للقول بانعدام الصفة القانونية للدولة أو بانعدام سلطة مؤسساتها كافة، كما لا يصلح أساساً لمنح السلطة الموازية التي نشأت في سياق النزاع المسلح صفة الحكومة الشرعية.
كما لا ينبغي أن تتحول الإشكالات الدستورية التي صاحبت المرحلة الانتقالية إلى ذريعة لتعطيل مبدأ سيادة القانون أو لتبرير أي تجاوز للقواعد الجنائية أو الإجرائية.
وتظل القاعدة الأهم أن الدولة، أياً كانت طبيعة الأزمة التي تمر بها، لا تستقيم إلا بسيادة القانون واستقلال القضاء والنيابة العامة واحترام الاختصاصات القانونية لكل مؤسسة.
فالخلاف السياسي أو الدستوري لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتسييس العدالة أو توظيف النصوص الجنائية في الصراع السياسي، وفي المقابل فإن حماية استقلال الأجهزة العدلية لا تعني إعفاء العاملين فيها من المسؤولية متى ثبت ارتكابهم فعلاً يشكل جريمة بموجب القانون.
إن السودان في هذه المرحلة لا يحتاج إلى توسيع دائرة الخلاف حول مفردات الشرعية بقدر حاجته إلى إعادة بناء دولة القانون ومؤسسات العدالة على أسس مهنية مستقلة، بحيث لا تكون النيابة العامة أو القضاء طرفاً في النزاع السياسي، ولا تستخدم النصوص الجنائية لتصفية الخصومات السياسية، وفي الوقت ذاته لا تتحول الصفة العدلية إلى غطاء للإفلات من المسؤولية عن الجرائم التي يثبت ارتكابها وفقاً للقانون.
فالعدالة لا تكتسب مشروعيتها من انتمائها إلى طرف من أطراف الصراع، وإنما من استقلالها وحيادها وتطبيقها للقانون على الجميع، وهو ما يجعل حماية استقلال النيابة العامة والقضاء، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، شرطاً أساسياً لاستعادة سيادة القانون وبناء السلام وتحقيق العدالة.
