الخميس, سبتمبر 10, 2026
الرئيسيةمقالاتمسارب الضي ...

مسارب الضي الكيميائي في السودان.. بين وثائق واشنطن بوست والأسئلة الغائبة! يكتبه | د. محمد تبيدي

أثار التقرير الاستقصائي الأخير الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست حول ما وصفته بوجود مخزون من الأسلحة الكيميائية في السودان جدلاً واسعاً، بعدما نسبت الصحيفة إلى وثائق ومقاطع فيديو ورسائل نصية وجود برنامج لإنتاج ذخائر محشوة بالكلور واستخدامها ضد مليشيا الدعم السريع.
لكن بعيداً عن الانفعال السياسي والإعلامي، فإن القضية تستحق شيئاً واحداً قبل إصدار الأحكام: الأدلة القابلة للتحقق المستقل.
فالصحيفة نفسها تقول إن المواد التي حصلت عليها جاءت من مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط، وإنها لم تتمكن من الوصول إلى المواقع المزعومة أو الشهود بصورة مباشرة، كما نقلت عن خبير سابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن المؤشرات «متوافقة بقوة» مع برنامج للأسلحة الكيميائية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التخزين لا يمكن التحقق منه بصورة قاطعة من الأدلة البصرية وحدها.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
أين المصابون؟
إذا كانت هناك هجمات كيميائية واسعة استهدفت مليشيا الدعم السريع ومدنيين في مناطق سيطرتها، فأين سجلات المستشفيات؟
أين العينات الطبية؟
أين تقارير الأطباء؟
أين فرق التحقيق الدولية؟
أين العينات البيئية التي تثبت نوع المادة الكيميائية وتركيزها وزمن استخدامها؟
أسئلة علمية وقانونية لا يمكن تجاوزها في قضية بهذه الخطورة.
ثم يأتي السؤال الآخر المتعلق بالصور.
هل جرى تحديد الموقع الجغرافي للصور بصورة مستقلة؟
وهل تم فحص بياناتها الرقمية ومصدرها الأصلي وتاريخ التقاطها؟
وهل يمكن إثبات أن المنشآت الظاهرة فيها موجودة داخل السودان فعلاً؟
إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحسم أن صورة ما التقطت في أبوظبي أو السودان، فالأدوات البصرية قد تساعد في كشف التلاعب أو مقارنة الأنماط، لكنها ليست بديلاً عن التحقيق الميداني والإثبات الجنائي.
واللافت أن واشنطن بوست نفسها استعانت بخبراء في الأدلة الرقمية لفحص بعض الصور ومقاطع الفيديو، ولم يجد الخبراء مؤشرات على التلاعب بالصور التي فحصوها، لكن الصحيفة أوضحت بوضوح أن ذلك لا يثبت بصورة مستقلة صحة الرواية المتعلقة بمكان الصور أو دلالتها.
وهنا يجب ألا نخلط بين أمرين:
صحة الصورة فنياً، وصحة القصة التي تُروى عن الصورة.
فقد تكون الصورة حقيقية، ولكن تفسيرها أو تحديد مكانها أو تاريخها يحتاج إلى دليل آخر.
لماذا لا يكون الحديث عن وجود خبراء أجانب مرتزقة في صفوف مليشيا الدعم السريع، ولماذا هذا من المستبعد من حيث المبدأ، بل إن تقارير دولية حديثة تحدثت بالفعل عن شبكات دعم خارجية وعن وجود مقاتلين ومتعاقدين أجانب شاركوا في تشغيل أسلحة متطورة وطائرات مسيّرة لصالح مليشيا الدعم السريع المُتمردة لأنهم جهلا لا يعرفون استخدامات المسيرات وغيرها من أدوات الحرب الحديثة . وقد تحدث تقرير أممي حديث عن شبكة عابرة للحدود تشمل أسلحة ولوجستيات وتدريباً وأفراداً أجانب، كما أشار إلى متعاقدين كولومبيين شاركوا في تشغيل أنظمة متقدمة.

المطلوب هو التحقيق لا التمنيات.
فالأسلحة الكيميائية يمكن أن تُصنع بوسائل بدائية نسبياً من مواد صناعية متاحة، وهذه تحديداً إحدى خطورتها.
لكن في المقابل، فإن إثبات وجود برنامج كيميائي عسكري لا يكون بالصور وحدها، وإنما يحتاج إلى سلسلة أدلة متماسكة: مصدر المواد، خطوط الإنتاج، مواقع التصنيع، العينات، السجلات، سلسلة القيادة، أوامر الاستخدام، بقايا الذخائر، شهادات الشهود، والفحوص المختبرية المستقلة.
وهناك نقطة لا ينبغي تجاهلها: الولايات المتحدة سبق أن أعلنت في يناير 2025 أنها تملك معلومات استخبارية تفيد باستخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل، وفرضت لاحقاً عقوبات مرتبطة بهذا الادعاء.
وبالتالي فإن القضية ليست وليدة تقرير واشنطن بوست وحده، لكنها أيضاً ليست قضية حُسمت قضائياً بصورة نهائية.
ومن هنا، فإن الطريق الأقوى للسودان ليس الاكتفاء بالنفي الإعلامي، بل المطالبة بتحقيق دولي مستقل، وإتاحة الأدلة للجهات الفنية المختصة، والاستعانة بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإجراء التحقيقات والفحوص اللازمة.
وإذا ثبت أن الصور أو الوثائق جرى تزويرها أو فبركتها أو نسبها إلى السودان زوراً، فهنا يجب أن تكون هناك مساءلة قانونية صارمة لكل من شارك في تصنيع الرواية أو نشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار بالدولة السودانية.
أما مطالبة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ووزير العدل بالتحرك القانوني، فهي مطالبة في محلها من حيث المبدأ، لكن ينبغي أن تتجه إلى المسارات القانونية المختصة، إلى المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية.
ولكن ان محكمة العدل الدولية تنظر أساساً في النزاعات بين الدول، وليست محكمة لمحاكمة الصحفيين كأفراد. ولذلك، إذا كان السودان يملك أدلة على تزوير أو تضليل ممنهج من دولة أو جهة أجنبية، فالمسار القانوني ينبغي أن يُبنى على تحديد الجهة المسؤولة والاختصاص القضائي المناسب.
والسؤال الأكبر الذي تطرحه مسارب الضي هو:
إذا كانت هذه الأدلة صحيحة، فليقدم أصحابها الأدلة الكاملة أمام جهات التحقيق الدولية.
وإذا كانت كاذبة، فليحاسب من فبركها ونشرها.
أما أن تتحول الحرب السودانية إلى ساحة مفتوحة لتبادل الاتهامات الاستخبارية والإعلامية، دون تمكين الرأي العام من معرفة مصدر الصور ومكانها وزمانها وسلسلة الحصول عليها، فهذا لا يخدم الحقيقة، ولا السودان، ولا العدالة.

في قضايا الأسلحة الكيميائية لا تكفي الصورة، ولا يكفي النفي، ولا تكفي الثقة في رواية طرف ضد آخر.
الدليل الحقيقي يجب أن يصمد أمام المختبر، والتحقيق، والخبراء، والقضاء.
وعلى الحكومة السودانية أن تنتقل من مرحلة النفي السياسي إلى مرحلة التحقيق القانوني والفني الكامل فإذا ثبتت براءتها فلتقدم للعالم الأدلة، وإذا ثبت وجود تزوير فلتلاحق المسؤولين عنه قانونياً.
الحقيقة لا تحتاج إلى دعاية… الحقيقة تحتاج إلى دليل.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات