saeed.abuobida5@gmail.com
لم يبدأ جوع السودانيين مع الحرب في أبريل 2023. الحرب عمّقت الأزمة، لكنها لم تصنعها من البداية. قبل الحرب كان الجنيه يفقد قيمته، والأسعار ترتفع، ودخل المواطن يفقد قدرته على شراء احتياجاته.
في 21 فبراير 2021 اتجه بنك السودان المركزي إلى توحيد أسعار الصرف واعتماد نظام أكثر مرونة، فارتفع السعر الرسمي للدولار من 55 جنيهًا إلى نحو 375 جنيهًا. كان الهدف معالجة الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي والوصول إلى سعر أقرب إلى واقع السوق.
لكن سعر الصرف لا يمكن فصله عن الاقتصاد.
عندما يضعف الجنيه ترتفع تكلفة الواردات. ولا تقتصر المشكلة على السلع المستوردة مباشرة. المزارع يحتاج إلى الوقود والأسمدة والبذور والمبيدات وقطع الغيار، والمصنع يحتاج إلى الآلات ومدخلات الإنتاج، والتاجر يحتاج إلى النقل والتخزين. ارتفاع تكلفة هذه المدخلات ينعكس في النهاية على أسعار السلع.
وهنا يدفع المواطن الثمن.
قد يبقى راتبه كما هو، لكن قدرته على الشراء تتراجع. المبلغ الذي كان يكفيه لشراء احتياجات الشهر يصبح غير كافٍ. ومع استمرار ارتفاع الأسعار تبدأ الأسرة في تقليل استهلاكها، ثم الاستغناء عن بعض الاحتياجات، إلى أن يصل الأمر إلى الغذاء.
لهذا فإن التضخم ليس مجرد ارتفاع في الأرقام. هو انخفاض في قدرة الإنسان على الحياة.
والجوع لا يعني دائمًا عدم وجود الطعام. قد يكون الطعام موجودًا، لكن المواطن لا يملك القدرة على شرائه. وقد تكون المحاصيل موجودة في مناطق الإنتاج، لكنها لا تصل إلى الأسواق بسبب الحرب أو ارتفاع تكلفة النقل. وقد تكون الأسواق مفتوحة، لكن الأسعار أعلى من قدرة الأسر.
هذه هي المشكلة التي يواجهها السودان.
السودان يملك أرضًا واسعة ومياهًا وثروة حيوانية وإمكانات زراعية ومعدنية كبيرة. لكن الموارد وحدها لا تكفي. المطلوب إنتاج، ونقل، وأسواق، وتمويل، واستقرار، وسياسة اقتصادية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى غذاء ودخل.
ثم جاءت الحرب.
تعطلت طرق، وتوقفت أعمال، وتضررت منشآت، وفقد كثير من الناس مصادر دخلهم. تراجع الإنتاج في مناطق واسعة، وأصبح نقل السلع أكثر تكلفة، واضطربت الأسواق.
في الوقت نفسه كان الجنيه يواصل فقدان قيمته.
وهكذا اجتمعت الحرب مع ضعف الاقتصاد. المواطن فقد جزءًا من دخله، وارتفعت تكلفة ما يحتاج إليه، وأصبح الغذاء أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من الأسر.
وفي 24 أغسطس 2026 أصدر بنك السودان المركزي المنشور رقم 16/2026، ومنح المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار العملات الأجنبية وفقًا للعرض والطلب بدلًا من الاعتماد على سعر رسمي محدد.
القرار يعكس محاولة لجعل سعر الصرف أقرب إلى واقع السوق.
لكن المشكلة لا تنتهي عند تحديد السعر.
إذا كان الطلب على النقد الأجنبي أكبر من المعروض، فإن المرونة قد تؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه. وعندما يرتفع الدولار ترتفع تكلفة الاستيراد، وترتفع معه تكلفة الوقود ومدخلات الإنتاج والنقل والسلع.
وهنا يصبح قرار سعر الصرف قرارًا يمس حياة المواطن مباشرة.
المواطن لا يشتري الدولار لذاته. هو يشتري الغذاء والدواء والوقود والاحتياجات اليومية. ولذلك فإن أي انخفاض جديد في قيمة الجنيه يمكن أن يتحول إلى ارتفاع جديد في تكلفة المعيشة.
وقد يكون سعر الصرف المرن ضروريًا لمعالجة التشوهات في السوق، لكن المرونة وحدها لا تقوي الجنيه. الجنيه يقوى عندما ينتج السودان أكثر، ويصدر أكثر، ويحصل على نقد أجنبي حقيقي، ويعيد تشغيل اقتصاده.
لذلك يجب ألا يكون السؤال الوحيد: كم بلغ سعر الدولار؟
السؤال الأهم هو: ماذا ينتج السودان؟ وماذا يصدر؟ وكيف يمكن زيادة المعروض من النقد الأجنبي؟
إذا بقي الإنتاج ضعيفًا والصادرات محدودة، وظل الطلب على العملات الأجنبية أكبر من المعروض، فسيظل الجنيه تحت الضغط.
والنتيجة يعرفها المواطن مباشرة.
أسعار أعلى.
دخل حقيقي أقل.
وغذاء أصعب.
هذه ليست معادلة نظرية. إنها ما يحدث عندما تفقد العملة قيمتها بينما لا يرتفع دخل الناس بالسرعة نفسها.
وهنا نصل إلى الجوع.
التاريخ يقدم مثالًا شديد القسوة على استخدام الغذاء في الحرب. أثناء التحضير لغزو الاتحاد السوفيتي عام 1941 وضعت القيادة النازية خططًا للاستيلاء على موارد الأراضي السوفيتية المحتلة، وفي مقدمتها الحبوب والغذاء، لخدمة الجيش الألماني والسكان في ألمانيا. وعُرفت هذه السياسة تاريخيًا باسم خطة الجوع، وكان من نتائجها المتوقعة موت أعداد هائلة من المدنيين جوعًا.
لا يعني ذلك أن السودان يعيش نسخة من تلك الخطة. المقارنة التاريخية يجب أن تبقى في حدودها. لكن التجربة تثبت أن الحرب تستطيع أن تحول الغذاء والإنتاج وطرق الإمداد إلى أدوات تؤثر مباشرة في حياة المدنيين.
وفي السودان لا يحتاج الجوع إلى خطة مكتوبة حتى يحدث.
يكفي أن يتوقف الإنتاج، وتتعطل الطرق، ترتفع تكلفة النقل، يفقد الناس أعمالهم، وتضعف العملة، ثم ترتفع الأسعار.
عندها يصبح الجوع نتيجة اقتصادية وإنسانية للأزمة.
لكن السودان يستطيع تغيير هذا المسار.
ليس لأنه يملك موارد كبيرة فقط، وإنما لأنه يستطيع إعادة تشغيلها إذا توفرت الإرادة والإدارة والتخطيط.
المطلوب أولًا إرادة واضحة تضع إنقاذ الإنسان في مقدمة السياسة الاقتصادية.
ثم إدارة قادرة على تنفيذ هذه الإرادة.
ثم تخطيط يربط القرارات الاقتصادية ببعضها.
لا يمكن معالجة سعر الصرف بمعزل عن الإنتاج. ولا يمكن زيادة الإنتاج من دون تمويل وطاقة ونقل. ولا يمكن زيادة الصادرات من دون إنتاج قادر على المنافسة. ولا يمكن حماية المواطن من الغلاء من دون زيادة المعروض من السلع.
لذلك يحتاج السودان إلى حزمة قرارات اقتصادية متزامنة.
إعادة تشغيل الزراعة والثروة الحيوانية.
توفير النقد الأجنبي لمدخلات الإنتاج الأساسية.
تسهيل تمويل المنتجين.
إعادة تشغيل الطرق والنقل والأسواق.
زيادة الصادرات.
تنظيم تجارة الذهب وإدخال عائداته في الاقتصاد الرسمي.
تشجيع تحويلات السودانيين في الخارج عبر الجهاز المصرفي.
إعادة بناء الثقة في المصارف.
وترتيب الإنفاق العام بحيث تكون الأولوية للغذاء والصحة والطاقة والمياه والإنتاج.
هذه الإجراءات ليست ترفًا اقتصاديًا.
إنها إجراءات لحماية الإنسان.
فالهدف من إصلاح سعر الصرف ليس أن يظهر رقم جديد في نشرات البنوك.
والهدف من زيادة الصادرات ليس تسجيل أرقام أفضل في التقارير.
والهدف من زيادة الإنتاج ليس رفع الناتج المحلي فقط.
الهدف أن يجد المواطن غذاءه بسعر يستطيع تحمله، وأن يجد المزارع التمويل ومدخلات الإنتاج، وأن يعود العامل إلى عمله، وأن يصبح دخله قادرًا على تغطية احتياجات أسرته.
هنا فقط يصبح الإصلاح الاقتصادي إصلاحًا حقيقيًا.
السودان لا يحتاج إلى معجزة كي يطعم شعبه. لديه الموارد اللازمة لذلك.
ما يحتاجه هو أن تتحول الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى قدرة على شراء الغذاء.
وهذا لن يحدث بقرار واحد.
يحتاج إلى إرادة تحدد الهدف، وإدارة تنفذ، وتخطيط يربط السياسات، وقرارات اقتصادية شجاعة تعيد الاقتصاد إلى العمل.
فالجنيه ليس القضية وحده.
القضية هي الإنسان الذي يعتمد على هذا الجنيه ليشتري طعامه.
إذا أردنا إنقاذ الإنسان السوداني، فعلينا أن نبدأ من الاقتصاد. وإذا أردنا إنقاذ الاقتصاد، فعلينا أن نبدأ من الإنتاج. وإذا أردنا أن يعود الإنتاج، فعلينا أن نملك الإرادة لإدارته والتخطيط له.
عندها فقط يمكن أن يعود الغذاء إلى المائدة، ويعود الأمل إلى البيت.
فهنا تبدأ المعركة الحقيقية ضد الجوع.
