الخرطوم —
في صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023، لم تكن الخرطوم تشهد مجرد اشتباكٍ مسلح، بل كانت عُرضةً لزلزالٍ تكتيكي كاد يقضي على أركان الدولة؛ حيث استهدفت هجمات كاسحة ومتزامنة قلب القيادة العامة، القصر الرئاسي، والمطارات الاستراتيجية عبر آلاف المقاتلين والمدرعات الخفيفة. في تلك الساعات العصيبة، راهنت تقارير صحفية وعواصم دولية على سقوطٍ وشيك وسريع للمؤسسة العسكرية تحت ضربات “الصدمة والرعب”، غير أن المسار الميداني لم يتوقف عند الفاجعة الأولى، بل اعتمد الجيش استراتيجية الامتصاص الثقيل وحماية المقار الحيوية — من سلاح المدرعات بالشجرة إلى القيادة العامة وقواعد الإسناد الجوي — لتحويل التموضع إلى حائط دفاعي صلب يمنع تشظي المنظومة العسكرية وتفكك الدولة.
إن الاختبار الحقيقي لاحترافية القوات المسلحة السودانية لم يكن فقط في إدارة النيران، بل في الهندسة المعقدة لحرب المدن وسط التكتلات العمرانية الشاهقة والدواوين الحكومية ومنازل المواطنين؛ ففي الوقت الذي لو تعرضت فيه أي من العواصم العربية لمثل هذا الهجوم الكثيف والانتشار الشجري لتسوت أحياؤها بالأرض وتحولت إلى ركام من الخرسانة والحديد، أدار الجيش المعارك بقدرة تكتيكية استثنائية منعت الانهيار الكامل للبنية التحتية. تخلى التخطيط العسكري السوداني عن عقيدة الأرض المحروقة، واستعاض عنها بالتكتيكات الجراحية دقيقة التوجيه، مفضلاً الاعتماد على فرق “العمل الخاص” والمشاة الراجلة في عمليات الالتحام المباشر وتطهير المباني الشاهقة من شباك القناصة أفقياً ورأسياً، لحماية دواوين الدولة ومؤسساتها النفعية ومساكن المدنيين بأقل قدر ممكن من الأضرار الجانبية.
ولم يلبث الجيش أن انتظر لحظة الانكسار اللوجستي للخصم لينتقل من موقع امتصاص الصدمة إلى انتزاع زمام المبادرة الميدانية؛ حيث شكل تحرير منطقة أم درمان القديمة ومحيط المباني التاريخية ضربة معنوية قاصمة، تلاها نجاح العمليات العسكرية الجريئة في ربط المحاور وتسيير العبور الكبير عبر الجسور الاستراتيجية لتطهير أحياء الخرطوم وبحري. لقد استند هذا التحول إلى عمق جماهيري تمثل في التعبئة الشعبية واستنفار المتطوعين لدعم الخطوط الخلفية، يساندهم التصنيع العسكري المحلي الذي أمّن استدامة الذخائر والمعدات وقطع الطريق أمام نفاذ المخزون السلاحي. وتثبت هذه الملحمة الميدانية أن القوات المسلحة السودانية لم تخض حرباً لـ استعادة زمام المبادرة فحسب، بل قدمت نموذجاً عسكرياً صارماً في كيفية حماية أصول العاصمة وهويتها العمرانية، مؤكدة أن الجيوش التاريخية ذات العقيدة الصلبة تخرج من قلب الحصار أشد ثباتاً وأكثر قدرة على صون الدولة ومؤسساتها.
