تشهد أروقة السياسة الخارجية في واشنطن تحولاً بارزاً تجاه ملف المواجهة مع إيران، فبعد أن كانت مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في يونيو الماضي تمثل مخرجاً دبلوماسياً لتهدئة التوترات، كشفت تقارير صادرة عن كبرى الصحف الأمريكية وعلى رأسها (وول ستريت جورنال) أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أبلغت الوسطاء رسمياً بعدم اهتمامها بالعودة إلى تلك المذكرة في الوقت الحالي.
هذا التحول الأمريكي لم يأتِ من فراغ، بل يعود إلى مجموعة من الحسابات الاستراتيجية والضغوط الداخلية والإقليمية.
١. الانتقادات الداخلية واعتبار المذكرة “تقديم تنازلات”
واجهت مذكرة التفاهم التي وقعت في يونيو انتقادات حادة داخل أوساط السياسة في واشنطن والكونغرس، إذ اعتبرها الصقور في واشنطن “متساهلة للغاية” مع طهران.
المذكرة كانت تضمن تقديم تخفيف اقتصادي وإعفاءات نقدية لإيران مقابل الالتزام بتهدئة مؤقتة، وهو ما رآه خصوم الاتفاق منحة لطهران فرصة لالتقاط الأنفاس دون تقديم ضمانات ملموسة في الملفات الكبرى.
٢. التحول نحو استراتيجية “الخنق الاقتصادي”
فضل البيت الأبيض الانتقال من خيار التهدئة الدبلوماسية المؤقتة إلى تكتيك الضغط القصوى، أو ما يطلق عليه المسؤولون الأمريكيون “يوم الإنزال الاقتصادي” (Economic D-Day) أو “الخنق الاقتصادي”.
- تراهن إدارة ترامب على أن فرض عقوبات ثانوية مشددة واستعراض القوة البحرية سيعززان موقف واشنطن تفاوضياً.
- يرى صناع القرار في واشنطن أن الانتظار ومضاعفة الإنهاك الاقتصادي لقطاعات الطاقة والمال الإيرانية يضعان الإدارة في موقع القوة بدلاً من توقيع اتفاقات “حلول وسط”.
٣. الخلاف الجوهري حول “الخطوط الحمراء” للبرنامج النووي
تصر واشنطن على أن أي صيغة لاتفاق مستقبل يجب أن تتضمن تفكيكاً كاملاً أو تجميداً صارماً ومباشراً لأنشطة تخصيب اليورانيوم مرتفعة النسبة، إضافة لملف الصواريخ والمسيرات. في المقابل تصر إيران على حقها في الاحتفاظ بالبنية التحتية النووية وترى المذكرة كحق مكتسب لا يُفرض عليها تقديم تنازلات إضافية في صلب برنامجها، مما جعل مذكرة التفاهم تظهر في عيون الأمريكيين ك”مماطلة” لا تعالج أصل المخاوف الأمنية.
٤. قضية مضيق هرمز وإجراءات الملاحة
بينما هدفت مذكرة التفاهم في البداية إلى ضمان التهدئة المائية وتسيير حركة السفن عبر مضيق هرمز دون فرض رسوم إيرانية، ترى واشنطن أن الوضع الميداني تغيّر، إذ تشير تقارير الإدارة إلى أن البحرية الأمريكية نجحت في تأمين الملاحة وإزالة تهديد الألغام، وبالتالي فإن الدافع التكتيكي الذي يدفع أمريكا لقبول المذكرة قد تراجع بعد تحسّن الملاحة في المضيق.
الخلاصة والتوقعات
خلاصة القول: عدم رغبة واشنطن في العودة لمذكرة التفاهم لا يعني إغلاق باب الدبلوماسية نهائياً، بل يعكس رغبتها في “إسقاط صيغة يونيو” لصالح صياغة جديدة كلياً تفرض بشروط أمريكية أكثر قسوة تحت مظلة الضغوط الاقتصادية المباشرة.
بقلم /
عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
