الأحد, أغسطس 30, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان حين اختلت موازيننا (1) من أين بدأ الخلل؟ ...

السودان حين اختلت موازيننا (1) من أين بدأ الخلل؟ الكاتبة والإعلامية: عبير نبيل محمد

لن أجامل اليوم.

ولن أبحث عن كلمات جميلة أخفي بها حقيقة مؤلمة.

أنا أكتب عن السودان الذي أراه الآن، عن بلدٍ لم تضِع مشكلته في الحرب وحدها، وإنما ضاعت معه أشياء كثيرة كنا نظن أنها لا تضيع؛ ضاعت قيمة العلم، واختلطت عندنا معايير التقدير، وأصبح الضجيج أحياناً أعلى من صوت المعرفة، والشهرة أسرع طريق إلى المكانة.

لكن قبل أن نسأل: كيف وصل السودان إلى هنا؟ علينا أن نمتلك شجاعة السؤال الأصعب:

من أين بدأ الخلل؟

إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أن نعترف بأن ما وصل إليه السودان اليوم لم يبدأ مع الحرب.

الحرب كشفت أشياء كثيرة، لكنها لم تصنعها كلها.

قبل الحرب كانت هناك أزمات تتراكم أمام أعيننا: صراع سياسي، انقلابات، حكومات تتغير، أحزاب تتخاصم، حركات مسلحة تحمل قضايا الأقاليم، واتفاقات سلام تأتي ثم نكتشف أن السلام المكتوب على الورق لا يكفي وحده لصناعة السلام على الأرض.

تعاقبت الأنظمة، وتغيرت الوجوه، وتبدلت التحالفات، لكن السؤال ظل كما هو:

ماذا عن السودان؟

كنا كثيراً ما نسأل:

من يحكم؟
من له النصيب الأكبر؟
من يدخل الحكومة؟
من يأخذ هذا الموقع؟
ومن يمثل هذه الجهة؟

لكننا لم نسأل بالقدر الكافي:

ما المشروع الذي سيبني الدولة؟

وهنا كانت المشكلة.

السودان لم يضيّع بسبب الديمقراطية وحدها، ولا بسبب العسكرية وحدها، ولا بسبب حزب واحد.

فالاختلاف السياسي ليس جريمة، والديمقراطية ليست المشكلة، والحكم العسكري ليس وحده أصل كل أزمات السودان.

المشكلة كانت في طريقة إدارة الخلاف، وفي طريقة إدارة الدولة.

كان كل طرف يريد أن ينتصر على الطرف الآخر، بدلاً من أن يبحث الجميع عن طريقة ينتصر بها السودان.

الحزب قبل الوطن.
الجماعة قبل الدولة.
المركز قبل الأقاليم.
القوة قبل المؤسسة.
والانتصار على الخصم قبل الاتفاق على مستقبل السودان.

وهذه ليست كلمات للاستهلاك.

نحن دفعنا ثمنها.

دفعه المواطن في حياته، وفي رزقه، وفي تعليمه، وفي أمنه، ودفعته الأسر السودانية التي لم تعد تعرف أين سيكون بيتها غداً.

والأخطر أننا في كل مرة كنا نغيّر الأشخاص، لكننا لا نغيّر الطريقة.

نختلف على الحكومة، ثم نختلف على الحكومة التي تأتي بعدها.

نرفض المحاصصة، ثم نعود إليها.

نتحدث عن الكفاءة، ثم نسأل أولاً:

هذا من؟ ومن يقف خلفه؟

نتحدث عن السودان الواحد، ثم ننظر إلى بعضنا من خلال الحزب والقبيلة والجهة والحركة.

وهكذا أصبحنا ندور في الدائرة نفسها.

نغيّر الوجوه، ولا نغيّر المنهج.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن السؤال لم يعد:

من أخطأ أكثر؟

السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة هو:

لماذا ظل السودان يعيد إنتاج الخطأ نفسه؟

فالوطن لا ينهض بمجرد تبديل الأسماء، ولا تُبنى الدولة بتغيير الوجوه، وإنما بتغيير الطريقة التي نفكر وندير بها الدولة.

لقد آن الأوان أن نخرج من سؤال الغلبة إلى سؤال البناء، ومن البحث عن المنتصر إلى البحث عن السودان.

فإذا كان كل طرف يريد أن ينتصر على الآخر، فمن سينتصر للسودان؟

وهنا لا يعود الخلل مسؤولية حزب وحده، ولا حكومة وحدها، ولا مؤسسة وحدها.

إنه خللٌ شاركت فيه أطراف كثيرة، بدرجات مختلفة، وصمتت عنه أطراف أخرى.

ولهذا فإن مواجهة الحقيقة لا تبدأ من الآخرين.

تبدأ من أنفسنا.

فحين تختل الموازين، لا تبقى آثار الخلل داخل مؤسسات الدولة؛ بل تتسلل إلى المجتمع، وإلى وعينا، وإلى الطريقة التي نمنح بها القيمة لمن يستحقها ولمن لا يستحقها.

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إيلاماً…

يتبع في الجزء الثاني:
السودان حين اختلت موازيننا (2) — حين أصبحت الشهرة أعلى من قيمة المعرفة.


✍️
سلام وأمان، فالعدل ميزان.
أكتب لا لأنتصر على أحد، بل لأنتصر للحقيقة والوطن.
فإن اختلت الموازين، بقيت الكلمة شاهدةً على زمنها.
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأة من حبر النار..

✒️ عبير نبيل محمد

#السودان_حين_اختلت_موازيننا

#وطن_يتسع_للجميع

#إعادة_بناء_السودان

#العلم_قبل_الشهرة

#الشباب_مستقبل_السودان

المواطن_أولاً

#الحقيقة_تبني_وطناً

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات