الخرطوم: حفية نورالدائم
بعيداً عن صخب السياسة وتفاصيلها، تبدو تطلعات السودانيين لما بعد الحرب شديدة البساطة. مواطن يريد أن يعود إلى منزله آمناً، وآخر يبحث عن سعر يستطيع تحمّله، وأسرة تنتظر عودة أبنائها إلى المدارس، ومريض يريد مستشفى يجد فيه العلاج، وشاب يبحث عن فرصة عمل تمنحه بداية جديدة.
وفي استطلاع ميداني لآراء مواطنين من شرائح مختلفة، برزت مجموعة من الأولويات المشتركة التي تشكل، في جوهرها، صورة لما ينتظره السوداني من المرحلة المقبلة: الأمن، وتحسين المعيشة، واستعادة الخدمات، وفرص العمل، وعودة الحياة إلى طبيعتها.
الأمن.. ضربة البداية
يضع المواطنون الأمن في مقدمة ما يريدونه بعد الحرب، ليس باعتباره مجرد توقف للقتال، وإنما شرطاً لعودة تفاصيل الحياة اليومية.
ويقول إيهاب النور، سائق ركشة، إن المواطن يريد أن يشعر بالأمان في منزله وحيه وطريقه ومكان عمله، مشيراً إلى أن استقرار الشوارع والأسواق وطرق السفر يمثل البداية الحقيقية لعودة النشاط.
ويضيف أن عودة الناس إلى أعمالهم ومناطقهم لن تكتمل ما لم يشعروا بأن الظروف أصبحت أكثر أمناً واستقراراً.
تحسين الأوضاع
لكن الأمن وحده لا يكفي، فبعد سنوات الحرب أصبحت المعيشة واحدة من أكثر القضايا حضوراً في حديث المواطنين.
وتقول صفاء عبدالله، موظفة، إن استقرار أسعار الغذاء والدواء والوقود يمثل أولوية أساسية، إلى جانب تحسين القدرة الشرائية للدخول.
وبالنسبة إليها، فإن عودة الأسواق إلى نشاطها الطبيعي واستعادة الإنتاج تمثلان طريقاً ضرورياً لتخفيف الضغوط التي تواجه الأسر، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات اليومية.
مدرسة ومستشفى
وفي قائمة المطالب، تأتي الخدمات الأساسية بوصفها مؤشراً مباشراً على استعادة الدولة لعافيتها.
ويرى عبدالسلام المهدي، طبيب، أن إعادة تشغيل وتأهيل المؤسسات الصحية والتعليمية يجب أن تكون من أولويات المرحلة المقبلة، مع توفير الكوادر والأدوية والمستلزمات الأساسية.
فالعودة إلى المدرسة بالنسبة للأطفال ليست مجرد استئناف للدراسة، وإنما عودة إلى الاستقرار، فيما يمثل توفر العلاج بالنسبة للأسر أحد أبسط معاني الأمان الاجتماعي.
فرص عمل
وتبرز فرص العمل كعنوان آخر للمرحلة المقبلة، خصوصاً بالنسبة إلى جيل الشباب الذي وجد نفسه أمام سنوات من الاضطراب وتعطل النشاط الاقتصادي.
وتقول إكرام عبدالرحمن، خريجة جامعية، إن عودة المصانع والمشروعات الزراعية والأسواق والخدمات إلى العمل يمكن أن تفتح أبواباً جديدة أمام الشباب، وتمنح الأسر مصادر دخل أكثر استقراراً.
ويرىكتور محمد سالم ، خبير اقتصادي، أن التعافي يحتاج إلى بيئة تشجع الاستثمار والقطاع الخاص، بالتزامن مع إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات.
المواطن يريد حياة عادية
وراء كل هذه المطالب، تبدو هناك رغبة واحدة تكاد تختصر المشهد كله: أن تعود الحياة عادية.
أن يخرج الأب إلى عمله، ويذهب الطفل إلى مدرسته، ويجد المريض علاجه، وتعود الأسواق إلى الحركة، ويستطيع المواطن السفر بين المدن، ويخطط الشاب لمستقبله دون أن تكون الحرب حاضرة في كل تفاصيل يومه.
وهذه المطالب، رغم بساطتها، ترسم صورة أكثر وضوحاً لما ينبغي أن تكون عليه أولويات المرحلة المقبلة. فالمواطن لا يبدأ من شكل السلطة، وإنما من شكل حياته اليومية، ولا يبحث أولاً عن العناوين الكبيرة بقدر ما يبحث عن الأمن والدخل والخدمة والفرصة.
قواسم مشتركة
ومن اللافت أن اختلاف المهن والظروف لم يمنع ظهور قواسم مشتركة في آراء المشاركين. فالأمن مطلب للجميع، واستقرار الأسعار حاجة مشتركة، والتعليم والصحة حقان لا يرتبطان بانتماء سياسي، بينما يمثل العمل والإنتاج أساساً لأي تعافٍ اقتصادي.
وتشير هذه الأولويات إلى مساحة واسعة يمكن أن يلتقي حولها السودانيون، حتى مع اختلاف مواقفهم تجاه القضايا السياسية.
فحين تكون المطالب الأساسية واحدة، يصبح التحدي الحقيقي هو كيفية تحويلها إلى برنامج عمل تتوافق عليه القوى والمكونات السودانية، بحيث تكون احتياجات المواطن نقطة الانطلاق.
من المطالب إلى التوافق
ولعل أهم ما تكشفه هذه الصورة أن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تُبنى بالقرارات المنفردة أو الحلول المؤقتة وحدها. فإعادة الأمن، وتحريك الاقتصاد، واستعادة التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، كلها ملفات متداخلة تحتاج إلى رؤية مشتركة وترتيب واضح للأولويات.
ومن هنا تبرز قيمة أن يجد السودانيون مساحة يتحدثون فيها عن المستقبل انطلاقاً من هذه الاحتياجات، لا من خلافاتهم وحدها؛ مساحة تتيح الاتفاق على ما يمكن أن يجمعهم، وتضع مصلحة المواطن في مقدمة النقاش
