الثلاثاء, أغسطس 25, 2026
الرئيسيةمقالاتعلى قارعة الوجع: شهادة حية من بيوت السودان المُنطفئة. ...

على قارعة الوجع: شهادة حية من بيوت السودان المُنطفئة. بقلم/ محمد سيد


​بدأت الجولةُ والقلبُ يختزنُ صوراً قديمةً لبلادٍ كانت تُعرَف بالطمأنينة والنخوة، لكن الواقع على الأرض كان يسرد حكايةً أخرى، حكايةً مكتوبة بالدمع والدم. طفتُ في ربوع السودان المترامية، من أطراف العاصمة إلى قرى الجزيرة وكردفان ودارفور، ليعبر البي والوجع في كل ميل؛ لم أجد قريةً ولا حياً ولا منزلاً للبسطاء إلا وهو يحمل ندبةً غائرة، ويحكي فاجعةً خطّت تفاصيلها مليشيا الدعم السريع الإرهابية.
​بدأت الفاجعة حين اقتحمت المليشيا تلك القرى الآمنة، التي لا يعرف أهلها صخب السياسة ولا أطماع السلطة، بل رجالٌ ونساءٌ لا يملكون في هذه الدنيا إلا تقواهم، وصلاحهم، وسواعدهم الخشنة التي تفلح الأرض. حطت المليشيا رحالها كالكابوس؛ نُهبت المحاصيل، وسُبيت السكينة، واستُبيحت الحرمات دون تمييز بين شيخ يرتل القرآن في خلوته، وامرأة تسعى على أطفالها، وطفلٍ لا يفهم من الحرب سوى أصوات الرصاص التي أرعبت مضجعه.
​ومع اشتداد الحصار، لم يسلم حتى القوت اليومي وموارد الحياة الأساسية؛ تحولت الأسواق المحلية التي كانت نبض القرى إلى حكام متفحمة، واستُهدفت طلمبات المياه وآبار الشرب لقطع أسباب البقاء، وكأن المعركة لم تكن ضد أفراد بل ضد مقومات الحياة ذاتها. وفي المستشفيات والمراكز الصحية الريفية المتهالكة، نُهبت أجهزة الإنعاش والدواء، لليُترك المرضى والجرحى يواجهون الموت البطيء في بيوتهم دون أمل في مغيث.
​ولم يتوقف الإرهاب عند سلب الأمان والدواء، بل امتد ليدهس “شقى العمر”. وعلى قارعة الطرق وقوارع السبل، تجلت مرارة الفقد في أبشع صورها؛ هناك رأيت عربات المواطنين وممتلكاتهم ملقاةً حطاماً متفحماً أو مكسوراً. تلك العربات لم تكن مجرد حديد، بل كانت سنواتٍ طويلة من العرق والدمع والغربة وشُقّة السفر، جمعها أولئك البسطاء قِرشاً على قِرش لتكون سنداً لأسرهِم في العسر؛ فجاءت المليشيا لتبدد ذلك الجهد في لحظة بطش، إما بنهبها لتُدار بها آلة الإرهاب، أو بتدميرها وتركها على جانب الطريق شاهدةً على الحقد الممنهج.
​ثم بلغت المأساة ذروتها داخل القرى نفسها، حيث تحولت الديار إلى مزاراتٍ صامتة للرحيل. توقفت الحركة، وأُغلق الكثير من البيوت تماماً بعد أن رحل أهلها عن هذه الدنيا الفانية؛ أُسرٌ كاملة مُحيت من السجلات، فاضت أرواحها إلى بارئها إما برصاص الغدر المباشر، أو تحت وطأة الحصار والجوع وانعدام المغيث. واكتمل المظهر المؤلم بدفن الضحايا في باحات منازلهم وحرم أزقتهم بعد أن استحال الوصول إلى المقابر العامة تحت وابل الرصاص.
​أصبحت تلك الأبواب المغلقة والجدران الملطخة بالسواد تهمس لكل عابرٍ بأنه هنا كان يعيش أناسٌ أحبوا السلام، فغدر بهم الظلم في عقر دارهم، واضطر من تبقى منهم للفرار نزوحاً في الفيافي وتحت لهيب الشمس، تاركين خلفهم ذكريات أجيال أضحت أثراً بعد عين.
​تكتمل الصورة اليوم لتسجل وثيقة إدانة تاريخية وأخلاقية ضد هذه الجماعة الإرهابية؛ فما حدث لم يكن حوادث فردية، بل سلوكاً ممنهجاً لمحو النسيج الاجتماعي والوجود الإنساني. إن ذاكرة أهل السودان لن تمحو هذه المرارة، وستظل صرخات الأبرياء، وصمت البيوت المغلقة، وحطام عربات البسطاء المتروكة على الطرقات تنادي بالقصاص العدل، وتستصرخ الضمير العالمي حتى يتحقق الحق ولا تضيع دماء الضحايا في أزقة النسيان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات