الثلاثاء, أغسطس 25, 2026
الرئيسيةمقالاتكلام من اتجاه واحد ...

كلام من اتجاه واحد خداع العنوان: التضليل الوصفي في تصنيف حرب السودان بقلم: د. عبدالماجد هارون عبدالماجد

إن التسميات السياسية في فضاء العلاقات الدولية والصراعات المعاصرة ليست مجرد وصف عابر لحدث طارئ، بل هي أطر إدراكية جاهزة تُرسم من خلالها معالم الظاهرة المستهدفة بعناية، لتحديد طريقة تفسيرها، وتوجيه الخيارات المتاحة للتعامل معها دولياً وإقليمياً. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، يكشف الفحص العلمي الصارم للخطاب الغربي الموجه نحو السودان عن إصرار ممنهج على تصنيف الحرب الحالية كـحرب أهلية وهو تصنيف لا ينتمي إلى حقيقة المعطيات الميدانية والسياسية، بل يمثل إحدى أبرز أدوات التضليل المفاهيمي المصنوعة لتوجيه الوعي الدولي وحجب الأبعاد الحقيقية للصراع.إن تفكيك المفهوم علمياً في أدبيات العلوم السياسية يشترط لتعريف الحرب الأهلية نشوء صراع مسلح ينبثق أساساً من تناقضات بنيوية داخلية محضة بين مكونات المجتمع أو السلطة في دولة واحدة، تتساوى فيه الأطراف في الانتماء الوطني والمنطلق الاستراتيجي، ولا تكون لأي منها صفة العدوان الخارجي أو التبعية اللوجستية العابرة للحدود. وعند مطابقة هذا التعريف المعياري على المشهد السوداني، يتضح وجود انفصال هيكلي صارخ، إذ يتم توظيف هذا المصطلح كغطاء سياسي لتحقيق وظائف محددة تخدم القوى المحركة خلف الستار، ويمكن حصرها في ثلاثة محاور تشخيصي.
أولاً: العمل على التحييد المنهجي للشرعية وتصفيتها إذ يسعى تصنيف الصراع كـأهلي إلى محو الفارق الجوهري بين مؤسسة الدولة الرسمية المدافعة عن السيادة والقوات النظامية، وبين المليشيا المسلحة التي تعمل كأداة لتفكيك كيان الدولة. هذا الدمج المتعمد يُحول المواجهة من معركة وطنية لحفظ وحدة البلاد في مواجهة مشروع خارجي مُقنن، إلى مجرد تناحر داخلي بين فصائل متساوية في الموقف القانوني والأخلاقي، مما يُسقط حق الدفاع عن السيادة ويساوي بين الدولة والمتمرد.
ثانياً: يمنح هذا المصطلح غطاءً شرعياً للتدخل الخارجي السافر تحت لافتات إنسانية أو وساطات دولية، وبموجب هذا الإطار التضليلي، تُشرعن العقوبات التي تستهدف قدرات الدولة الدفاعية، بينما يُمرر الدعم الموجه للمليشيا المسلحة تحت مزاعم فرض التوازن واستعادة الاستقرار.
ثالثاً: وهو المحور الأخطر، حيث يتم فيه توظيف هذا التصنيف لإعادة هندسة الوعي بطبيعة الأزمة، عبر نقل مركز النقاش من رصد التدخلات الخارجية المنظمة والتسليح الإقليمي العابر للحدود، إلى التركيز على الخلافات الداخلية وتضخيمها كقوة محركة وحيدة. وفي هذا السياق المعرفي، فإن وجود عناصر سودانية ضمن صفوف المليشيا لا يغير مطلقاً من التوصيف العلمي للعدوان، تماماً كما لم ينجح وجود مجموعات محلية مستقطبة انضمت لجيوش الاحتلال عبر التاريخ في تحويل الغزو الخارجي إلى صراع داخلي، فهؤلاء يُصنفون ضمن الأدوات الديناميكية التابعة للمشروع الخارجي، وليسوا تعبيراً عن تناقضات المجتمع الأصيلة.
إن استمرار استخدام هذا التصنيف المضلل في الدوائر الدولية لا يعود لخطأ عابر في تقييم المعطيات، بل يُعبر عن منطق إدراجي انتقائي يختار ما يناسب أطره الاستراتيجية المسبقة من الحقائق، ويغفل عمداً ما يتعارض معها. ولا يعني هذا بالضرورة الإنكار الأكاديمي لوجود تحديات أو أخطاء بنيوية داخلية سبقت الحرب، بل هو التأكيد الصارم على أن هذه التحديات والمشكلات الداخلية لم تكن يوماً سبباً مباشراً لنشوب هذا الصراع، بل استُخدمت بدقة كذريعة وغطاء سياسي لتفعيل مشروع خارجي عابر للحدود، له مستهدفاته الجيوسياسية المحددة في المنطقة.
إن إعادة بناء المفاهيم وتصحيحها وفق معطيات الواقع المجردة على الأرض لا تمثل مجرد ترف أو ممارسة لغوية، بل هي حجر الأساس لأي وعي سليم بطبيعة الأزمة الوجودية. فالتصنيفات المضللة تُعطّل القدرة على التشخيص العلمي الصحيح، وبالتالي تعيق الوصول إلى المعالجات الاستراتيجية الناجعة. وحتى نستطيع استيعاب كليات ما يحدث، وتحديد مسارات الخلاص الوطني، يجب أولاً أن نُسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية التي تُعبّر عن واقعها، لا عبر العدسات والأطر المصنوعة التي يُراد لنا أن نرى المشهد من خلالها لتوجيه وعينا نحو الهزيمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات