الأحد, أغسطس 23, 2026

قطوف.. بقلم: انتصار فضل الله النيل الأبيض.. من الطريق تبدأ حكاية التعافي

لم تكن الرحلة من الخرطوم إلى النيل الأبيض مجرد انتقال من ولاية إلى أخرى، ولا مهمة صحفية تنتهي بانتهاء اللقاءات الرسمية. كانت الرحلة، في تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، محاولة للاقتراب من ولاية اختبرت الحرب والنزوح والضغط على الخدمات، لكنها في الوقت ذاته اختارت أن تفتح نوافذها على التعافي والعمل والمستقبل.

منذ مغادرة الخرطوم، كان الطريق طويلاً بما يكفي لأن يمنحك فرصة للتأمل. تتبدل ملامح الأرض، وتتراجع ضوضاء العاصمة شيئاً فشيئاً، بينما تبدأ ملامح النيل الأبيض في الظهور؛ ولاية لا يمكن قراءة واقعها من خلف المكاتب، لأن جزءاً كبيراً من قصتها مكتوب في الطرق والأسواق والمراكز الصحية والمشروعات، وفي وجوه الناس الذين استقبلوا الحرب قبل أن يستقبلوا ضيوفها.

وصلنا إلى كوستي ضمن وفد إعلامي جاء من المركز ليقرأ الولاية من أكثر من زاوية: اقتصاداً واستثماراً، صحة وخدمات، بنية تحتية وطرقاً ومياه، زراعة وإنتاجاً، ومالاً وإدارةً، ومجتمعاً حمل أعباء الحرب والنزوح، لكنه لم يتوقف عن البحث عن مساحات للحياة.

كانت الأسئلة كثيرة، لكن الإجابات لم تكن كلها في قاعات الاجتماعات.

في مكتب الوالي، كان الحديث عن ولاية تحاول أن تستعيد عافيتها وتستثمر موقعها وإمكاناتها. وفي مكاتب الوزراء، كانت الأرقام والمشروعات والتحديات ترسم صورة أخرى للنيل الأبيض؛ صورة ولاية لا تنكر حجم ما تواجهه، لكنها لا تريد أن تختصر في كلمة «استضافة النازحين».

فالنيل الأبيض اليوم ليست فقط ولاية تستقبل المتأثرين بالحرب، وإنما ولاية تحاول أن تدير هذا العبء، وتحافظ في الوقت نفسه على خدماتها، وتفتح الطريق أمام الاستثمار والإنتاج، وتعيد ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الاستجابة.

أكثر ما يلفت في حديث المسؤولين أن كلمة «التعافي» أصبحت حاضرة بقوة.

في قطاع الصحة مثلاً، لم يعد الحديث مقتصراً على الاستجابة للطوارئ. وزير الصحة، الدكتور الزين سعد، تحدث عن الانتقال من الاستجابة إلى التعافي ثم التنمية والتطوير، وعن شبكة للرصد تضم نحو 265 مركزاً، وعن 10 معسكرات للاجئين والنازحين تفرض ضغطاً كبيراً على الخدمات.

وفي التفاصيل تظهر صورة القطاع الصحي وهو يحاول أن يعمل تحت الضغط: مكافحة للملاريا مع الخريف، فرق ميدانية، نحو 50 طلمبة محمولة، قوافل طبية للمناطق البعيدة، مراكز يجري رفع قدرتها لتقديم الخدمات الأساسية وعمليات الولادة، وخدمات علاجية مجانية.

لكن اللافت أن الحديث لم يتوقف عند الطوارئ.

كان هناك حديث عن القسطرة، والأشعة، والمعامل، والعناية الوسيطة، وخدمات الأطفال، وتوطين العلاج.

وهنا تحديداً تبدو فكرة التعافي أكثر وضوحاً: أن تنتقل الولاية من سؤال «كيف نصمد؟» إلى سؤال «كيف نبني؟».

وفي وزارة البنية التحتية، أخذت الحكاية شكلاً آخر. فالطرق والمياه والخدمات لم تكن مجرد مشروعات هندسية وأرقاماً في خطط حكومية، وإنما شرايين تعيد ربط المدن والمناطق، وتفتح الطريق أمام حركة الناس والإنتاج والاستثمار.

استمعنا إلى حديث الوزير عن مشروعات البنية التحتية وما أُنجز منها وما ينتظر الاكتمال، وعن التحديات التي فرضتها الحرب على الطرق والخدمات، وعن الحاجة إلى تطوير البنية الأساسية حتى تستطيع الولاية أن تستفيد من موقعها وإمكاناتها.

وفي تلك التفاصيل بدا واضحاً أن التعافي لا يبدأ من المكاتب وحدها؛ يبدأ من الطريق الذي يصل قرية بمدينة، ومن شبكة مياه تصل إلى المواطن، ومن مشروع بنية تحتية يهيئ الأرض لمشروع اقتصادي أكبر.

أما وزارة المالية، فقد فتحت لنا نافذة على الجانب الآخر من المعادلة: كيف تُدار ولاية تواجه اتساع الاحتياجات وتراجع الموارد، وفي الوقت ذاته مطالبة بالحفاظ على الخدمات ودفع عجلة التنمية؟

في حديث وزيرة المالية، كانت الأرقام حاضرة، لكن خلف كل رقم كانت هناك قصة عن إدارة المال العام، وتوفير الموارد، وتمويل الخدمات، ومحاولة خلق مساحة للحركة الاقتصادية رغم الظروف الصعبة.

تحدثت عن الإجراءات المالية والإنجازات، وعن التحصيل الإلكتروني، وعن جهود الوزارة في الوفاء بالالتزامات، إلى جانب الاستعداد للمرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل ما يمكن أن يتيحه موقع الولاية من فرص اقتصادية وتجارية، باعتبارها ولاية تتقاطع فيها الزراعة والتجارة والنقل والخدمات.

ومن مكتب المالية، بدا السؤال أكبر من مجرد «كم لدينا؟»، ليصبح: كيف يمكن تحويل الموارد المحدودة إلى أثر يشعر به المواطن؟ وكيف يمكن أن تصبح الإدارة المالية أداة للتعافي لا مجرد استجابة للاحتياجات اليومية؟

وفي لقاء وزير الإنتاج، كانت الأرض هي التي تتحدث.

النيل الأبيض، بما تملكه من موارد زراعية وإنتاجية، لا يمكن أن تُقرأ فقط من زاوية الحرب وتداعياتها. هناك موسم زراعي، وأراضٍ، ومياه، ومزارعون، وإنتاج حيواني، وفرص يمكن أن تجعل الولاية واحدة من أهم مساحات الإنتاج في البلاد إذا توافرت لها المدخلات والتمويل والبنية التحتية والأسواق.

استمعنا إلى حديث عن الإنتاج وتحديات الموسم الزراعي، وعن الحاجة إلى دعم المنتجين وتوفير المدخلات وتحسين البيئة الإنتاجية، وعن أهمية أن تنتقل الولاية من مجرد استضافة تداعيات الأزمة إلى المساهمة في إنتاج الغذاء وتحريك الاقتصاد.

وهنا تكتمل الصورة أكثر: الصحة تحاول أن تحمي الإنسان، والبنية التحتية تفتح له الطريق، والمالية تبحث عن الموارد، والإنتاج يضع يده على الأرض.

أربعة مسارات مختلفة، لكنها في النهاية تصب في سؤال واحد: كيف يمكن لولاية أنهكتها الحرب أن تستعيد قدرتها على الوقوف؟

وفي الجانب الاقتصادي، بدت النيل الأبيض وكأنها تحاول استعادة دورها الطبيعي كولاية إنتاج وممر تجاري وبيئة جاذبة للاستثمار.

الأرقام التي سمعناها خلال اللقاءات لم تكن مجرد أرقام للاستهلاك الصحفي، وإنما مؤشرات على حجم الفرص الموجودة، وحجم ما يمكن أن تصنعه الولاية إذا توفرت لها البيئة المناسبة.

الزراعة، الصناعة، النقل، التجارة والخدمات؛ كلها قطاعات يمكن أن تتحول من إمكانات على الورق إلى مشاريع حقيقية.

لكن بين الإمكان والواقع تقف تحديات التمويل والبنية التحتية والطاقة والطرق والأسواق.

وهنا يصبح دور الإعلام أكبر من نقل تصريحات المسؤولين؛ فالمطلوب أن يرى المستثمر ما وراء الرقم، وأن يرى المواطن ما وراء المشروع، وأن يعرف صاحب القرار أين توجد الفجوة بين الخطط والتنفيذ.

ورغم أهمية الأرقام، إلا أن أجمل ما في الرحلة لم يكن رقماً.

كان الناس.

في كل محطة تقريباً، كان هناك شخص يحمل قصة. مسؤول يتحدث عن مشروع، طبيب يحكي عن ضغط العمل، مواطن ينتظر خدمة، ومزارع ينظر إلى الموسم باعتباره فرصة للبقاء، وشخص من الإدارة الأهلية يتحدث عن المجتمع ودوره في تجاوز الأزمة.

ومن داخل البيوت أيضاً، كانت الصورة مختلفة.

الحوار مع عمدة الكواهلة، مثلاً، لم يكن مجرد حديث عن الإدارة الأهلية، بل كشف جانباً من العلاقة بين المجتمع والدولة في زمن الحرب، وكيف أصبحت الإدارات الأهلية جزءاً من المشهد الاجتماعي والمصالحة.

وهنا اكتشفنا أن النيل الأبيض لا تُدار فقط من مكاتب الحكومة؛ هناك مجتمع كامل يتحرك في الخلفية، يسند، ويشارك، ويتدخل عندما تتراجع قدرة المؤسسات.

وربما كانت أهم مكاسب الزيارة بالنسبة لنا كصحفيين أنها أعادت تعريف معنى التغطية الميدانية.

أن تسمع المسؤول عبر الهاتف شيء، وأن تجلس أمامه وتقرأ لغة جسده وتفاصيل مكتبه وتتابع ما يقوله وما لا يقوله شيء آخر.

أن تكتب عن مستشفى من تقرير رسمي شيء، وأن تدخل المكان وترى العاملين والمرضى وتلمس حجم الاحتياج شيء مختلف تماماً.

وأن تكتب عن الاستثمار من وثيقة شيء، وأن تسير في الولاية وترى الأرض والموقع والطرق والموارد شيء آخر.

الصحافة الميدانية تمنح الخبر وجهاً.

وتمنح الصحفي، قبل القارئ، فرصة لأن يفهم.

وبين اللقاءات والاجتماعات، كان هناك وجه آخر للرحلة.

ضحكات الرفقة، الأحاديث العابرة في الطريق، التعب الذي يأتي بعد يوم طويل، القهوة التي تُشرب على عجل، واللحظات الصغيرة التي لا تدخل عادةً في الخبر لكنها تبقى في الذاكرة.

فالسفر لا يغير المكان فقط؛ أحياناً يغير علاقتك بالأشخاص الذين يسافرون معك.

في الطريق الطويل تتسع مساحة الحكايات، وتخف الرسميات، وتظهر التفاصيل الإنسانية التي لا تمنحها قاعات الاجتماعات وقتاً كافياً.

ولهذا، عندما انتهت الزيارة، لم نشعر أننا كنا في مهمة صحفية وانتهت.

كان هناك شيء من النيل الأبيض قد بقي معنا.

خرجنا من الولاية بصورة أكثر تعقيداً من تلك التي دخلنا بها.

نعم، هناك تحديات كبيرة: نزوح، ضغط على الخدمات، تمويل محدود، احتياجات صحية، بنية تحتية تحتاج إلى تطوير، ومشروعات تنتظر اكتمالها، وقطاع إنتاج يحتاج إلى المزيد من الدعم.

لكن هناك أيضاً شيئاً آخر لا يقل أهمية: إرادة العمل.

ولاية تحاول أن تحافظ على خدماتها، وتستقبل النازحين، وتكافح الأمراض، وتبحث عن الاستثمار، وتعيد تأهيل مرافقها، وتدعم الإنتاج، وتطور بنيتها التحتية، وتفكر في المستقبل رغم ثقل الحاضر.

وربما كانت هذه هي الخلاصة الأهم من الزيارة:

النيل الأبيض لا تريد أن تكون مجرد محطة للنازحين، ولا ولاية تعيش على هامش الحرب. إنها ولاية تحاول أن تعيد تعريف نفسها؛ من مساحة استجابة للأزمة إلى مساحة للتعافي والإنتاج والتنمية.

أما نحن، فعدنا إلى الخرطوم محملين بمواد صحفية كثيرة، وأرقام وتصريحات وملاحظات ومشاهد.

قطفة اخيره !!

لكن فوق كل ذلك، عدنا بذاكرة رحلة.

رحلة بدأت بطريق طويل، وانتهت بقناعة أقصر:
أن أفضل طريقة لكتابة حكاية المكان هي أن تذهب إليه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات