الأحد, أغسطس 23, 2026
الرئيسيةمقالاتصداقة على المحك.. حين يسبق الظنُّ الحقيقة ...

صداقة على المحك.. حين يسبق الظنُّ الحقيقة قصة قصيرة | تأليف د. محمد تبيدي

كانا صديقين جمعتهما المحبة والثقة، حتى أصبح كل واحد منهما للآخر أخاً لا مجرد صديق. كان أحدهما ثرياً يملك المال والتجارة، وكان الآخر ناجحاً في التسويق وإدارة العمل. ولشدة ثقته به، زوّجه أخته، ثم ترك له إدارة متجره وأودعه أمواله، وسافر إلى مكان بعيد لا توجد فيه شبكة اتصال.
مرت مدة، واتصل الثري بالمتجر ليسأل عن أحوال صديقه وتجارته. فرد عليه أحد العاملين قائلًا:
“صاحبك لا يأتي إلى العمل منذ مدة، ويجلس في المنزل.”
وقع الكلام على قلب الرجل كالصاعقة. حزن على صديقه، وظن أن الرجل الذي ائتمنه على ماله وزوّجه أخته قد تغيّر، ولم يعد يصون الأمانة ولا يهتم بالتجارة.
عاد الصديق إلى المتجر يتفقدة، وأخبره العامل أن صاحب المال اتصل وسأل عن تجارته، وأنه أخبره بأنه لا يأتي إلى العمل.
عاد الرجل إلى منزله حزيناً، وقال لزوجته:
“أخوك اتصل ليسأل عن ماله وتجارته، لكنه لم يسأل عن صحتي، وأنا منذ مدة طريح الفراش بعد أن كسرت ساقي وأنا أرتب البضائع في المخزن وأحافظ عليها من التلف.”
هنا شعرت الزوجة أن وراء القصة سراً لم يعرفه أخوها، وقالت له:
“هناك شيء مفقود في هذه الحكاية. أنا أعرف أخي، وأشهد أنه يحبك أكثر من نفسه. لا بد أن هناك أمرًا لم تعرفه.”
عاد الرجل إلى المتجر، وقد حمل في صدره غضباً وعتاباً، ولام صديقه أمام بعض التجار لأنه ترك العمل ولم يهتم بالتجارة.
عندها قال له أحد جيرانه:
“قبل أن تلومه، اذهب إليه واسأله ماذا حدث. لقد كُسرت ساقه وهو يرتب بضاعتك ويحافظ على مالك، وهو طريح الفراش منذ مدة.”
توقف الرجل كأن الحقيقة صفعت قلبه. أسرع إلى منزل أخته، وهناك وجد صديقه عاجزاً عن الحركة. عندها أدرك حجم الظلم الذي ارتكبه بحقه، وحزن على سوء ظنه، واعتذر له عن اتهامه قبل أن يعرف الحقيقة.
قال له:
سامحني، لقد ظلمتك بظني.
فأجابه صديقه:
سامحتك ولكن سأترك العمل ولن أعود إليه.
حاول الرجل أن يسترضيه وقال:
“عد، فأنا لم أعاتبك إلا لأنني أثق بك.”
فقال له صديقه:
وكيف تلومني وأنت لا تعرف ما حل بي؟
كان الأولى أن تسألني ماذا حدث لي، ثم تلومني إن كنت مخطئاً.

وهنا تكمن الحكمة الكبرى في القصة: ليس كل غياب إهمالاً، وليس كل صمت خيانة، وليس كل خبر يُقال لنا حقيقة كاملة.

العِبَر من القصة

  • لا تحكم على الآخرين بكلام الناس، حتى تسمع الحقيقة منهم.
  • لا تلُمْ شخصاً وأنت لا تعرف عذره، فقد يكون يتألم بينما تظنه مقصراً.
  • اسأل قبل أن تحكم، وافهم قبل أن تلوم، وتحقق قبل أن تصدر حكمك.
  • الثقة إذا اهتزت بسبب الظنون قد تجرح أعمق العلاقات، حتى لو ظهرت الحقيقة لاحقاً.
  • ليس كل من ابتعد عن مكانه قد تخلى عن واجبه فقد تمنعه ظروف لا يراها الآخرون.
  • الخبر المنقول قد يكون صحيحاً في ظاهره، لكنه ناقص في تفاصيله، ونقص التفاصيل قد يقلب الحقيقة إلى اتهام.
  • من يحبك قد يكون صامتاً عن ألمه، فلا تجعل صمته سبباً في ظلمك له.
  • الاعتذار بعد معرفة الحقيقة شجاعة، لكن الحكمة الحقيقية أن نتثبت قبل أن نجرح.
  • الصديق الحقيقي لا يُقاس بوجوده أمامك فقط، بل بما يفعله من أجلك عندما لا تراه.
  • أحياناً لا تكون المشكلة في خيانة الأمانة، بل في سوء فهمٍ قتل الثقة قبل أن تظهر الحقيقة.

كم من إنسان ظلمناه بحكمٍ سريع، وكم من صديق خسرناه لأننا صدقنا رواية واحدة ولم نسأله عن روايته. لذلك، إذا جاءك خبر عن إنسان تحبه، فلا تجعل أذنك قاضياً وقلبك جلاداً اسأل أولاً، وافهم ثانياً، ثم احكم إن كان للحكم مكان. فقد تكون الحقيقة التي تبحث عنها مختبئة خلف بابٍ مغلق، وخلف ذلك الباب صديقٌ يتألم ولا يستطيع حتى أن يدافع عن نفسه.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات