اليوم، تشهد الساحة الأمريكية سباقاً سياسياً جديداً بين الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي، لإنتخاب وجهاً جديداً لرئاسة المكتب البيضاوي،الذي يحمل الرقم السابع والأربعين في السجل التاريخي للرؤساء الأمريكان.آلية إنتخاب الرئيس عبر صناديق الاقتراع قمة الإبتكار التي وصل إليها الإنسانية، لأخذ الشرعية والتفويض الشعبي في ممارسة الحكم، وتنفيذ البرامج والشعارات المرفوعة في الدعاية الإنتخابية، تلبيةً لطموحات وإتجاهات الناخبين.بلوغ سدة الحكم يأتي عبر وسيلة الإنتخابات، الحرة والنزيهة، يتعارك فيها المرشحون بمختلف مرجعياتهم العقائدية، وآيدلوجياتهم الفكرية بعرض برامجهم الإنتخابية، والترويج لملامح مشروعاتهم أملاً في اجتذاب ميولات الناخبين الذين يقررون عبر هذه الآلية ترشيح قيادات جديرة ومبدعة في إدارة دفة الدولة، وأية إختلال يصاحب مسيرة تنفيذ تلك البرامج، أوالمشروعات ذات المردود السلبي في البنية الأساسية في الدولة وحياة الشعوب، فلاخيار يبقى متروكاً أمام الناخب سوى لفظ تلك الحزب بذات الأسلوب الإبتكاري المرتضى عنه” صندوق الإقتراع” ويقابل هذا اللفظ، قبول المهزوم نتيجة فرز الأصوات، ليعتكف على إعادة الحسابات والقراءة الصحيحة للطرح وتقييم الأداء، ومعالجة الأخطاء المصاحبة، استعداداً للانخراط في الاستحقاقات القادمة.آلية إختيار السلطة الشرعية، قطعاً، نجحت كثيراً في البلدان المتطورة، وتلك التطورات الإقتصادية، والعلمية، والتقنية، وغيرها من الطفرات في البنية التحتية، ماكان لها الحدوث دون الاستقرار السياسي الذي يمارس فيه كل مسؤول صلاحياته الدستورية بعيداً عن التغول والتجاوزات في صلاحيات السلطات الدستورية المكملة لهياكل الدولة التي يقرها الدستور نفسه، وهذا المنحى بلاشك ينعكس بدوره إيجاباً على الدولة، وإتاحةَ فرصاً للشعوب في ممارسة حياتهم الطبيعية وفقاً للقانون المنظم للحقوق والواجبات.وعلى تلك الآلية الإنتخابية، إقتفت العديد من دول العالم الثالث أثر المنهج المتبع في إختيار الهياكل الدستورية للدولة بمن فيها رأس الدولة، لم تطوِ بتلك المنهجية صفحات التخلف من الحروبات الأهلية، والقضاء على الأمراض، والفقر وحدها، بل بدأت أيضاً تتشكل ككتل إقتصادية ناشئة تنافس الإقتصاديات المسيطرة في العالم، مثل دول: الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا التي انضوت في مجموعة جديدة أطلقت عليها دول “BRICS”، وهنالك أيضاً تكتلات إقتصادية ناهضة لدول غرب أفريقيا، وغيرها من الدول النامية.وعلى النقيض، لايزال الإيمان قائماً في بقية البلدان المتخلفة، بأن إغتصاب السلطة هي الوسيلة الوحيدة التي تحقق رفاهية الشعوب! وهي بالطبع وسيلةً للقهر والإذلال، والاضطراب السياسي بل والأمني. وحتى التجارب الديمقراطية الممارسة في “النموذج السوداني” تجارب عابتها الكثير من المآخذ والعلات بالمساجلات والممحاكات المستمرة التي لاترتقي ممارستها داخل الأجهزة التنفيذية والتشريعية، بدلاً عن جعل معايش الناس وتنمية موارد الدولة ذروة الاهتمامات، مما يمهد “وفقاً للشهادات النخبوية التي حكمت البلاد” طرقاً سالكةً للانقلابات العسكرية مسنودة بتنظيمات سياسية أوبلغة اليوم “حواضن سياسية”الولايات المتحدة الأمريكية التي تُصنف من سيدات الدول الديمقراطية في العالم-بحكم الإنتخابات الدستورية والانتقال السلس للسلطة- كان تاريخها أيضاً حافلاً بالصراعات الدموية، أوبالأحرى بالحروبات الأهلية في مطلع الستينيات من القرن التاسع عشر، إبان إنتخاب الرئيس “إبراهام لينكولن” الذي يحسب للحزب الجمهوري المناهض للعبودية الممارسة في الولايات الجنوبية للولايات الأمريكية المتحدة. فوزه في الانتخابات ضد المرشح الديمقراطي، جعل سبع ولايات تعلن انفصالها عن الوحدة الأمريكية وتبعتها خمس أخريات، معلنة دولة جديدة سمِّيت بأمريكا الفيدرالية، وبعض فشل كل المحادثات والمفاوضات في استرجاع الولايات المنشقة، سِلماً إلى الخارطة الاتحادية للولايات الأمريكية، قرعت طبول الحرب التي استمرت لأربع سنوات، انتصرت فيها الوحدة الأمريكية التي أفضت إلى إلغاء العبودية في الجنوب، وتسوية العديد من القضايا الدستورية بالمداولات والنقاشات المستفيضة.الآلية الإنتخابية المعمولة بها عالمياً، خاصة في المجتمعات المتعددة إجتماعياً، وثقافياً، وروحياً، ميزان مرغوب فيه لقياس القواعد الجماهيرية خاصة الأحزاب السياسية التي تزعم بأنها من ذوات الثقل الجماهيري، وما أن يجرى العملية الإنتخابية تتكشف الأحجام الحقيقية لبعض التنظيمات السياسية، التي تكون أقرب للقط الذي إدَّعى الأسدية.الآلية الإنتخابية مدرج الوصول إلى السلطة بتفويض الحكام لفترة زمنية محددة بالقانون، ونزع السلطة منهم، أوتجديد الولاية لهم بذات الآلية، بدلاً عن الإعتماد على الانقلابات العسكرية والمدنية على السلطات الشرعية التي ارتضاها الشعب وهذا جذر المشكلات المتلازمة في عالمنا الثالث.