الأربعاء, أغسطس 19, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة أنقرة والرياض وإسلام آباد… والسودان أمام مثلث مكة

في عوالم السياسة لا تأتي التحركات الخارجية للدول بمنأى عن محيطها الأقليمي والدولي ، ولا تتحرك الدول من فراغ ، وأحياناً يكون ترتيب الأحداث أكثر دلالة من البيانات التي تصدر بعدها ، في السابع من أغسطس 2026م ، أُعلن عن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان ، والتي تقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً ، في صيغة تعكس انتقال العلاقة بينها إلى مستوى متقدم من التعاون الدفاعي والردع الإقليمي ،
وبعد أيام من توقيع اتفاق مكة ، وصل رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة بدعوة رسمية من تركيا ، والتقي وزير الدفاع التركي يشار غولر ، واجتمع بقيادة الأركان التركية لبحث التعاون العسكري بين البلدين .
وفي الرياض ، يتحرك وزير الخارجية السوداني في المسار السياسي ، بالتوقيع مع نظيره السعودي على وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي السوداني ، بالتزامن مع اجتماع لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين ، هنا تتقاطع الصورة أنقرة عسكرياً ، والرياض سياسياً ، وإسلام آباد شريكاً في الاتفاق الدفاعي الجديد .

السودان ليس عضواً في تحالف مكة ، ولا يصح استباق الأحداث بالقول إنه يتجه إلى ذلك ، لكن الخرطوم تتحرك مع دولتين من الدول الثلاث في توقيت إقليمي بالغ الحساسية ومشهد في غاية التعقيد ، فزيارة العطا إلى تركيا لا تبدو مجرد زيارة بروتوكولية ، كما أن إنشاء مجلس التنسيق السعودي السوداني ليس مجرد عنوان دبلوماسي جديد ، كلا المسارين يمكن أن يشكلا جزءاً من إعادة ترتيب علاقات السودان الإقليمية في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى توسيع دوائر الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي .

السودان الذي يخوض حرباً للدفاع عن دولته وسيادته يحتاج إلى علاقات قوية ، لكنه يحتاج أكثر إلى أن يحسن توظيفها ، فتركيا تملك ثقلاً عسكرياً وصناعياً مهماً ، والسعودية تملك وزناً سياسياً واقتصادياً كبيراً ، وباكستان تمتلك خبرة عسكرية وقدرات دفاعية معتبرة ، وهنا تكمن الفرصة ، لا في الانضمام إلى تحالفات الآخرين ، وإنما في بناء شراكات سودانية تخدم المصالح الوطنية .
السؤال ليس هل يصبح السودان طرفاً في تحالف مكة ؟ ، والسؤال الأهم كيف يستفيد السودان من التقارب التركي السعودي الباكستاني دون أن يفقد استقلال قراره ؟ ، فالسودان لا يحتاج إلى أن يكون طرفاً في كل تحالف ، لكنه يحتاج إلى أن يكون حاضراً في كل معادلة تمس أمنه ومصالحه ومستقبله .

العطا في أنقرة ووزير الخارجية في الرياض ليس حدثين منفصلين بالضرورة ، إنهما جزء من مشهد إقليمي جديد ، والسودان أمام فرصة لإعادة رسم موقعه فيه ، والسياسة الذكية ليست أن تختار الخرطوم معسكراً ، بل أن تجعل من علاقاتها المتعددة قوة للسودان .. لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات