السبت, أغسطس 15, 2026
الرئيسيةمقالاتحسبنا الله ونعم الوكيل"… حينما قالها كامل إدريس! بقلم:...

حسبنا الله ونعم الوكيل”… حينما قالها كامل إدريس! بقلم: حمد يوسف حمد


حينما تبلغ المحن بأمةٍ مَبْلغَها، وتصبح الأزمات الوجودية طاحونةً تلتهم الكرامة والإنسان، تتجرد الأشياء من مساحيقها. تُسقط الأحداث الجسام الألقابَ البراقة، وتتهاوى السير الذاتية المدبجة بالمناصب الدولية والرفاه الأكاديمي، لتتبقى حقيقة واحدة لا تُداهن ولا تجامل: أين تضع قدميك حين يحترق الوطن؟
لقد استوقف الكثيرين تصريح الدكتور كامل إدريس وهو يتردد في أروقة المشهد المعقد، مطلِقاً عبارته الشهيرة: “حسبنا الله ونعم الوكيل”… وهي لعمري كلمة حقٍ وصدق، لكن السؤال النافذ الذي يفرض نفسه اليوم على الوجدان الجمعي السوداني: بأي لسانٍ قيلت؟ وفي أي سياقٍ وُضعت؟
إن “حسبنا الله ونعم الوكيل” في لسان الشعوب المظلومة والمشردة هي صرخة ملاذٍ أخيرة، ووثيقة احتسابٍ يرفعها العُزَّل والثكالى بوجه القهر والخذلان. أما حين تخرج من أفواه القيادات والنخب المثقلة بالرصيد الأكاديمي والنفوذ الدولي، فإنها تتحول إلى تساؤلٍ حارق: هل هي إعلان عجزٍ مسكون بالهروب إلى الأمام؟ أم أنها محاولة لتبرئة الذات من أمانة الموقف الأخلاقي والميداني الذي يحتاجه الشعب الآن قبل أي وقت مضى؟
حينما قالها كامل إدريس، تمنى الشارع السوداني أن يرى خلف هذه العبارة درعاً وسنداً، وموقفاً نافذاً يترجم ثقل “القامة” إلى فعلٍ يدافع عن الكرامة ويُوقف نزيف الدم، لا مجرد استسلامٍ لفظي لواقعٍ أليم يتطلب الشجاعة والمواجهة.
إن الشعب السوداني الذي يسدد اليوم فاتورة الحرب والنزوح، يعرف متى تُقال هذه العبارة استعانةً بالله للثبات، ومتى تُقال لتغطية غياب الفاعلية والتأثير.
آخر الكلام
يا دكتور كامل…
إن التاريخ لا يُكتب بالشهادات الأكاديمية المدبجة ولا بالوظائف الدولية الفخمة، بل يُسجَّل بمداد المواقف الصلبة حينما يداهم الأوطان الخطر. لقد استمسكتم بعبارة “حسبنا الله ونعم الوكيل” لتبرير الغياب، لكن الشعب السوداني الذي يواجه أعتى المحن يعلم يوماً بعد يوم مَن جعل هذه الكلمة ملاذاً للثبات ومواجهة الظلم، ومَن اتخذها غطاءً للانكفاء وتبريراً لعجز النخب!
ستنجلي هذه الغمة بلا شك، وسينهض هذا الشعب العظيم من تحت الركام أشد قوةً وكرامة، غير أن ذاكرة التاريخ ستظل مفتوحة؛ ولن تسقط منها أبداً أسماء الذين اختاروا “منطقة التسلل” وصمتوا، بينما كان الوطن يحترق وينتظر منهم أمانة الموقف!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات