خرج مجلس الوزراء من جلسته الطارئة هذا الأسبوع ببرنامج يحمل اسماً يختصر حجم الأزمة التي يحاول معالجتها: “نور وماء لكل السودان”، وهو توجه حكومي يستهدف خلال اثني عشر شهراً الاعتماد على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء والمياه للتجمعات السكانية الرئيسية في مختلف الولايات. والملاحظ في صياغة الحكومة لهذا البرنامج أنها حرصت على تحديد سقف الوعد منذ البداية؛ فالمستهدف ليس كهرباء متصلة على مدار الساعة لكل منزل، بل ضمان وصول الكهرباء وشبكة المياه لكل تجمع سكاني رئيسي. هذا التمييز بين “الوصول” و”الاستمرارية” مهم اقتصادياً، لأنه يكشف أن البرنامج مصمم كحل إنقاذي لسد فجوة الانقطاع الكامل في مناطق فقدت الخدمة بالكلية بفعل الحرب، لا كخطة لاستعادة مستوى الخدمة الذي كان قائماً قبلها.
وتكمن أهمية هذا التوجه للمواطن في كونه يخاطب أزمة معيشية تسبق أي حديث عن الاقتصاد الكلي أو سعر الصرف. فقطاع الكهرباء يتكبد خسائر تُقدَّر بنحو ثلاثة مليارات دولار جراء الحرب، وشبكته القومية باتت مقتصرة أصلاً على المدن الرئيسية، ما دفع شريحة واسعة من الأسر إلى الاعتماد على حلول شمسية فردية باهظة الكلفة، يتحملها كل بيت بمفرده دون أي دعم أو تنسيق. حين تتولى الدولة تجميع هذا الجهد المشتت في برنامج موحد يستهدف التجمعات السكانية بدل الأسرة الواحدة، فإنها تنقل عبئاً كان يتحمله المواطن فردياً بأعلى تكلفة ممكنة إلى مستوى جماعي أكثر كفاءة، وهذا بحد ذاته مكسب اقتصادي مباشر يمس معيشة الناس أكثر من أي مؤشر نقدي مجرد. وينسحب المنطق ذاته على المياه، إذ إن ربط الضخ بالطاقة الشمسية يحرر المحطات من تبعية الوقود المستورد وتقلبات توفره وسعره، وهو عامل استقرار غير مباشر لكنه واقعي في حياة الأسر.
غير أن المسافة بين إعلان البرنامج وتطبيقه الفعلي هي حيث تكمن الصعوبة الحقيقية. فالسودان يمتلك بالفعل قدرة مركبة من الطاقة الشمسية لا تتجاوز نحو 190 ميغاواط حتى نهاية العام الماضي، وهو رقم متواضع قياساً بحجم الاحتياج الفعلي لتغطية تجمعات سكانية رئيسية في عموم الولايات خلال عام واحد فقط. تنفيذ برنامج بهذا الحجم يحتاج تمويلاً رأسمالياً ضخماً لاستيراد الألواح والبطاريات ومعدات الشبكات، في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من شح النقد الأجنبي وضغوط على سعر الصرف، ما يطرح سؤالاً عملياً لم يجب عليه الإعلان الحكومي بعد: من يموّل هذا التوسع، وهل سيُستورد عبر قنوات حكومية مباشرة أم عبر شراكات مع القطاع الخاص والمانحين؟ كما أن الجانب اللوجستي لا يقل صعوبة، فتركيب شبكات كهرباء ومياه في تجمعات سكانية موزعة على ولايات تشهد بعضها اضطراباً أمنياً وتعطلاً في خطوط النقل يعني أن الجدول الزمني المعلن من اثني عشر شهراً طموح إلى حد يستدعي الحذر في التعامل معه كوعد قاطع بدل توجه عام.
اقتصادياً، فإن نجاح هذا البرنامج، ولو بصورة جزئية، يحمل أثراً يتجاوز الخدمة المباشرة إلى الإنتاج نفسه. فاستقرار إمداد الكهرباء والمياه لتجمع سكاني رئيسي يعني إمكانية إعادة تشغيل أنشطة اقتصادية صغيرة ومتوسطة كانت متوقفة بسبب انقطاع الخدمة، من ورش ومطاحن ووحدات تبريد وأسواق، وهو ما ينعكس تدريجياً على تشغيل يد عاملة محلية وتحريك دورة اقتصادية كانت جامدة. كما أن ربط الطاقة الشمسية بمرافق الإنتاج الزراعي، خصوصاً في مناطق الري الذي يعتمد على الطاقة لتشغيل المضخات، يمكن أن يخفف كلفة الإنتاج الزراعي التي كانت تُثقل بأسعار الوقود المرتفعة، وهذا يتقاطع مع توجه الحكومة المعلن في الجلسة ذاتها نحو زيادة الصادرات وتحسين الربط بين الولايات عبر تأهيل الطرق، بما يشي بأن الحكومة تحاول التعامل مع ملفي الطاقة والبنية التحتية كمنظومة مترابطة لا كمشروعين منفصلين.
على أن استشراف مستقبل هذا البرنامج يتطلب واقعية أكثر من التفاؤل. فتجربة الحكومات السودانية المتعاقبة مع برامج الطاقة الشمسية ليست جديدة؛ إذ سبق أن أُعلنت خطط مماثلة لتوفير ملايين الأنظمة الشمسية المنزلية في مناطق بعيدة عن الشبكة القومية دون أن تتحقق بالكامل، ما يجعل معيار الحكم على هذا البرنامج ليس حجم الإعلان بل مؤشرات التنفيذ الفعلية خلال الأشهر الأولى: حجم التمويل الذي يُرصد فعلياً، وعدد التجمعات السكانية التي تصلها الخدمة على أرض الواقع، ومدى التزام الجدول الزمني المعلن. فإذا ترجمت الحكومة هذا التوجه إلى تنفيذ تدريجي قابل للقياس ومقترن بشفافية في الإنفاق ومصادر التمويل، فإنه يمثل نقطة انطلاق حقيقية لإعادة بناء بنية خدمية استنزفتها الحرب. أما إذا بقي إعلاناً عاماً دون آليات تمويل وتنفيذ واضحة، فسينضم إلى سلسلة الوعود التي تعرفها الساحة السودانية جيداً، ويترك المواطن ينتظر النور والماء بالطريقة ذاتها التي اعتاد عليها: بجهده الفردي وحده.
