الثلاثاء, أغسطس 4, 2026
الرئيسيةمقالاتأسوان… أرض الذهب بقلم/ اسماعيل شريف

أسوان… أرض الذهب بقلم/ اسماعيل شريف

علاقتي بأسوان قديمة، تعود إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي. جئت إليها شابًا غضًّا، عابرًا في طريقي إلى القاهرة، على متن الباخرة النيلية العتيقة “ساق النعام”. لم أكن أعلم أن تلك المحطة العابرة ستترك في داخلي كل هذا الأثر، وأنها ستكون بداية علاقة امتدت لسنوات طويلة.

حين توقفت الباخرة على مشارف السد العالي، بدأت الدهشة منذ اللحظة الأولى. كان كل شيء يتحرك بإيقاع سريع ومختلف. صعد ضباط الجوازات المصرية إلى الباخرة قبل نزول الركاب، وخضع الجميع للتطعيم وفق الإجراءات المتبعة آنذاك. لا أذكر اليوم ضد أي مرض كان ذلك اللقاح، لكنني ما زلت أذكر دقة التنظيم والالتزام بالإجراءات.

وقبل أن تطأ قدماي أرض الميناء النهري، شدت انتباهي حركة الشيالين وهم يتدافعون لحمل حقائب المسافرين، وفي الجهة المقابلة كانت نساء يعملن فوق أسطح أحد المباني، يحملن على رؤوسهن قصعات الخرسانة المخلوطة بالرمل والأسمنت، يتحركن في تناغم مدهش، وكأنهن جزء من سيمفونية عمل لا تتوقف.

هناك بدأت المقارنة تلقائيًا بين ميناء المغادرة في وادي حلفا وميناء الوصول عند السد العالي. أدركت أنني انتقلت إلى عالم مختلف؛ من مظلة بسيطة لا تحجب حرارة الشمس، إلى صالة مكيفة، ومكاتب أنيقة، وإجراءات منظمة.

وللمرة الأولى في حياتي رأيت أجهزة التفتيش الإلكتروني. تعلمت أن التفتيش لا يقتصر على فتح الحقائب، بل يبدأ بالمرور عبر البوابة الإلكترونية، ثم استخدام العصا الكاشفة، قبل أن يأتي التفتيش اليدوي عند الحاجة. كانت تجربة جديدة بكل تفاصيلها، لكنها انتهت بسهولة ويسر.

بعد إكمال الإجراءات استقللنا سيارة «بيجو» متجهين إلى محطة سكة حديد أسوان. وهناك تجلت مرة أخرى سرعة إيقاع الحياة؛ طريق معبد بإتقان، وحركة مرورية سلسة، وسائق يقود بثقة وخبرة، حتى بدا أن المسافة أقصر مما توقعت.

دخلنا محطة السكة الحديد، وقد أنهكنا السفر، وسألنا عن رحلات القطار إلى القاهرة. فجاءت الإجابة بأن أمامنا خيارات متعددة؛ قطارات إسبانية، وأخرى مجرية، ولكل منها سعره ومستوى خدمته.

في تلك اللحظة تعلمت أول درس حقيقي من مصر: أنها بلد الخيارات. تستطيع أن تختار الخدمة التي تناسب إمكاناتك، دون أن تُحرم من حقك في السفر أو الحركة. كان ذلك درسًا بسيطًا في ظاهره، لكنه ظل راسخًا في ذاكرتي، لأنه جاء في أول يوم لي على أرض أسوان… أرض الذهب، وبوابة الحكايات التي لم تنتهِ بعد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات