الخميس, يوليو 30, 2026
الرئيسيةمقالاتمأساةٌ في غفلة الوطن: رحلة الانزلاق من قوانين "عبد الباري" إلى فخاخ...

مأساةٌ في غفلة الوطن: رحلة الانزلاق من قوانين “عبد الباري” إلى فخاخ “المنبرشات”! بقلم/ محمد سيد


​كان السودان، قبل أن تطرق الحرب أرجاءه وتختلط الدماء بالتراب، يقف على شفا حربٍ أخرى لا تقل ضراوة ولا استنزافاً؛ حرب هادئة تسللت تحت الأبواب وتسلقت جدران البيوت عبر شاشات سوداء صغيرة، تُدار بأيدٍ سياسية أرادت تجريد المجتمع من حصانته الأخيرة. كانت حرباً على “السِتر”، تلك الكلمة التي ظلت لقرون هي العمود الفقري للمجتمع السوداني، والعقد غير المكتوب الذي يربط القرى بالحضَر، والبادية بالمدينة.
​لم تبدأ هذه النكبة الأخلاقية فجأة، بل ضربت أطنابها برعاية أحزاب “الإطاري” وقوى “قحت” المشؤومة منذ عام 2019. فهؤلاء لم يستهدفوا جغرافيا الوطن فحسب، بل وجهوا طعنتهم الأولى والأخبث إلى عقيدة هذا الشعب، ودينه، وقيمه الراسخة؛ فمارسوا تجريفاً ممنهجاً لكل أشكال الترابط الأسري والاجتماعي. وتحت شعارات براقة ومزيفة، ادّعوا فيها “التنوير والحرية”—وهو تنويرٌ مغشوش يُراد منه هدم الفضيلة لا نشر المعرفة—بشروا بالأفعال المشينة، وعملوا على إدخال الممارسات المخلة بالآداب والأخلاق إلى قلب الأسرة السودانية المحافظة، لكسر هيبة البيت وإسقاط قيمه الحاكمة.
​ولم يقف هذا التجريف عند حدود الشعارات الإعلامية، بل تطاول ليمس أقدس ما يملك هذا الشعب؛ حيث برز دور عمر القراي في المناهج التعليمية، حين امتدت الأيدي إلى المناهج والكتب الدراسية بحذف الآيات القرآنية والمحتوى الإيماني الذي تنشأ عليه أجيال السودان، في محاولة مكشوفة لتفريغ عقول النشء من حصانتها القرآنية وأخلاقها الإسلامية. وجاء التتويج القانوني لعمليات المسخ هذه عبر تعديلات شاذة—وعلى رأسها تعديلات قانون الأسرة والطفل التي قادها نصر الدين عبد الباري (والدين منه بريء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب). كانت تلك التعديلات والتغييرات المنهجية بمثابة معول هدمٍ يستهدف دين البلاد وقيمها، عبر تجريد الأب والزوج من دوره التربوي والرعائي، مما فتح الباب على مصراعيه لتمرد الأبناء على آبائهم، وتمرد الزوجات على أزواجهن، وتمزيق طاعة الوالدين التي ظلت لقرون صمام أمان البيوت السودانية.
​وعبر الإعلام المتفسق التابع لتلك الأحزاب الساقطة، تم ضخ سموم وافدة تروج للسقوط والتفكك. هذا المناخ السياسي والإعلامي المسموم مهّد الطريق لظهور تجمعات هشة في الفضاء الإلكتروني، أطلقت على نفسها ألقاباً قبيحة مثل “منبرشات” و”منبرشون”—وهي أسماء تجرّد النخوة من معناها وتجعل من الخفة والتبذل سلعة تُعرض في مزاد علني. لم تكن تلك المجموعات مجرد مساحات بريئة للدردشة، بل تحولت إلى مصائد ومستنقعات مُعدة لاستدراج الفتيات والشباب، وانتزاع قيم الحياء والشهامة من نفوسهم باسم “المدنية والتحرر”.
​ولأن المقدمات الفاسدة لا تنتج إلا نتائج كارثية، تسللت هذه الظواهر من الهواتف إلى داخل البيوت كالسوس. تحول الفضول إلى إدمان، والإدمان إلى تمرد وسلوكيات مشينة؛ كم من بيتٍ سوداني كان ينعم بالسكينة انقلبت حياته رأساً على عقب حين استُدرجت إحدى بناته برغوة الكلام الزائف لتجد نفسها غارقة في مستنقع من الابتزاز والمساومات! ولم يقف الأمر عند حافة الخسائر المعنوية، بل امتد ليدمي القلوب واقعاً، حين سقطت ضحايا ووقعت مآسٍ أسرية فاجعة سالت فيها الدماء بسبب هذا التفكك المصنوع والانسياق الأعمى.
​ولم تقف آثار هذه الفتنة الأخلاقية عند حدود الوطن، بل تطاولت أيديها لتصل إلى بعض أبنائنا في دول المهجر. ومن هنا نوجّه صرخة لوم وعتاب شديدة اللهجة إلى أولئك الشباب الذين انساقوا خلف هذا السقوط الأخلاقي وركضوا وراء الحفلات الماجنة والتبذل في دول المغترب، بينما الوطن ينزف ويئن وتحيط به المحن. إن السودان في هذه الظروف العصيبة لا يحتاج إلى المجون والصخب، بل يحتاج إلى الاستغفار، والدعاء، والسجود بين يدي الله ليرفع البلاء، وإلى شباب يحملون همّه بوعي ورجولة.
​يا شباب هذا الوطن العظيم ويا حرائره… إن الأصالة ليست ثوباً نخلعه حين تشتد السهام، بل هي الدَرَقُ الذي نحتمي به. إن السودان الذي نعرفه لم يُبنَ على “الخفة” ولا على شعارات النخاسين الجدد، بل بُني على “الفزعة”، و”ستر العيب”، و”النخوة”. إن الوعي اليوم ليس خياراً بل هو فرض عين؛ الوعي بأن الشاشة التي في يدك قد تكون جسراً لنفعك، أو خنجراً في ظهر أسرتك.
​حين تضع الحرب أوزارها ويعد الوطن أنفاسه، لن يبنيه الساقطون في مستنقعات “الابتذال والتبعية”، بل سيبنيه الأقوياء بأخلاقهم، الأوفياء لدماء شهدائهم، المتمسكون بجذورهم التي لا تهزها رياح الفتن. فلتستفق البيوت، ولنعد إلى حكمة الآباء، ولنقطع الطريق على كل حزبيٍ ساقط أو مظلمة فكرية تسعى لبيع كرامتنا في سوق “اللايكات” الهزيل.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات