اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر "مستر هجوم 77"... حكايةُ وفاءٍ لا تغيب
«ليس كلُّ من سار إلى الميدان عاد إلى
بيته..
لكنَّ بعضهم عاد وطنًا يسكن ذاكرة أمة.»
أغمض عينيك للحظة…
وتخيّل فجرًا في كردفان، والسماء ما تزال معلقةً بين آخر خيوط الليل وبشائر الصباح. الوجوه يعلوها غبار الطريق، والقلوب معلقة بين الدعاء والرجاء، والأنفاس تتسابق مع نبضاتها. كان المشهد يحمل مزيجًا من رهبة اللحظة وقوة الإيمان؛ حيث يعرف الرجال أن الطريق ليس سهلًا، وأن الأوطان لا تُحمى بالكلمات وحدها، بل بالمواقف التي تُكتب حين تشتد المحن.
ثم ارتفع التكبير من حناجر الرجال، لا ليبدد صمت المكان فحسب، بل ليعلن أن إرادة الأوطان أقوى من أزيز البنادق، وليوقظ في النفوس يقينًا بأن الأوطان يحرسها من يؤمنون بها.
كان صدى التكبير يتردد بين سهول كردفان، لا كنداءٍ للقتال، بل كعهدٍ بأن الوطن، مهما أثقلته الجراح، سيظل يستحق من أبنائه الثبات والوفاء. وكانت المناطق التي استعادت أمنها تستقبل بشائر الحياة، وكأن كردفان كانت تستعيد مع أرضها أنفاسها من جديد، لتشهد أن تضحيات الفرسان لم تذهب سدى، وأن الأرض تحفظ خطى من مروا عليها بإخلاص.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: من سيعود؟ بل كان السؤال الأكبر: كيف يبقى الوطن؟
هناك… حيث امتزجت دموع الرفاق بتراب الأرض، وحيث حمل كل مقاتل في قلبه حكايةً من أهله وذكرياته، كتب الرجال فصلًا جديدًا من حكاية السودان.ومن بين أولئك، كان اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر… الرجل الذي عرفه الميدان باسم “مستر هجوم 77”.
لم يكن لقبًا صنعته الكلمات، بل صنعته المواقف. كان يتقدم الصفوف حين تتردد الخطوات، ويزرع الطمأنينة في نفوس من حوله، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله، بل بما يقدمه حين تشتد لحظات الامتحان.
لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، ولا عن اسمٍ يُخلّد في السجلات، بل كان يرى أن الرجال يُعرفون حين تمتحنهم الأوطان، وأن الشجاعة ليست في كثرة الحديث عنها، بل في صدق الفعل حين تأتي لحظة الاختبار.
وفي ميادين الشدة تظهر معادن الرجال؛ فالمواقف تبقى شاهدةً على أصحابها أكثر من أي كلمات تُكتب عنهم. لذلك لم يكن “مستر هجوم 77” مجرد اسمٍ ارتبط بلحظة عابرة، بل صورةً لرجلٍ ارتبط في ذاكرة رفاقه بالثبات والإقدام وتحمل المسؤولية.
وحين جاءت لحظة الوداع، لم تنتهِ الحكاية برحيل صاحبها، بل بدأت رحلة أخرى… رحلة اسمٍ بقي حاضرًا في ذاكرة رفاقه، وفي وجدان كل من عرف معنى أن يمنح الإنسان من عمره وجهده لما يؤمن به.
وحين خفتت الأصوات، لم يكن الصمت فراغًا… كان حضورًا ثقيلًا يحمل أسماءً تُنادى فلا تجيب، وسلاحًا أُسند إلى التراب كأنه ينحني وفاءً لأصحابه، وعيونًا أخفت حزنها حتى لا تنكسر عزيمة من بقي واقفًا.
لم يكن ذلك صمت الهزيمة، بل صمت الوفاء؛ فبعض الرجال حين يرحلون يتركون أثرًا لا يُملأ، وذكرى لا يمحوها الزمن.في ساحات الحرب لا تُقاس التضحيات بعدد الخطوات التي يقطعها الرجال، بل بما يتركونه خلفهم من أثر. فهناك لحظات لا تُرى، لكنها تبقى محفورة في وجدان من عاشها؛ لحظات وداعٍ تختبر معنى الوفاء، وتكشف قيمة الروابط التي تجمع من ساروا في طريقٍ واحد.
فالأوطان لا تحفظ أسماء أبنائها بما حملوه من قوةٍ فقط، بل بما تركوه من معانٍ وقيمٍ في حياة من عرفوهم. وكل خطوةٍ خُطت على تراب كردفان تحمل قصة رجلٍ آمن بأن الأرض تستحق الوفاء، وأن التضحية من أجل الوطن ليست لحظةً عابرة، بل أثرٌ يمتد عبر الأجيال.
وكأن كردفان كانت تقول وهي تحتضن أبناءها:
“لستُ أرضًا تُروى بالمطر وحده، بل بعرق الرجال، وصدق العهد، وصبر من حملوا انتظار الوطن في قلوبهم.”
فالأرض تحفظ خطى من مروا عليها بإخلاص، كما تحفظ السماء أسماء من ارتقوا دفاعًا عنها. وتبقى ذاكرة المكان شاهدةً على أن كل أرضٍ شهدت الألم، تحمل أيضًا حكايات الصبر والثبات والأمل.
وحين ارتفع علم السودان فوق المناطق التي استعادت حريتها، لم يكن مجرد قطعة قماش ترفرف مع الريح، بل شهادةً بأن الأرض تعرف أبناءها، وأن للتضحيات ثمرةً تُرى، وأن ما يُكتب بصدق العهد لا تمحوه الأيام.
وكان ذلك العلم يحمل أكثر من رمز؛ كان يحمل معنى العودة، وأمل الاستقرار، وحلم وطنٍ يستعيد عافيته بعد سنواتٍ من المعاناة، لتصبح التضحيات طريقًا نحو مستقبلٍ أكثر أمنًا وطمأنينة.وللحرية طعمٌ لا يعرفه إلا من سار إليها وهو يعلم أن الطريق قد لا يعود منه. وللعلم حين يرفرف فوق أرضٍ استعادت أنفاسها، معنى لا تصفه الكلمات، لأنه يُكتب بتضحيات من سبقوا إليه، وبصبر من انتظروا عودتهم، وبأحلام شعبٍ يتطلع إلى وطنٍ يسوده الأمن والسلام.
إن رثاء الرجال العظام لا يكون بالبكاء عليهم، بل بحفظ سيرتهم، واحترام تضحياتهم، والعمل من أجل وطنٍ لا يضطر فيه جيلٌ جديد إلى أن يكتب أسماء أحبته في سجلات الفقد.
فالذين رحلوا لم يتركوا وراءهم غيابًا فقط، بل تركوا مسؤوليةً أخلاقية تجاه الوطن؛ مسؤولية أن يكون الوفاء لهم طريقًا نحو بناء مستقبلٍ أكثر أمنًا وعدلًا، وأن تتحول ذكرياتهم إلى قوة تدفع نحو السلام والاستقرار.
يرحل الفرسان… لكن الأوطان التي أنجبتهم لا تموت.
وتمضي الأسماء إلى السماء، بينما تبقى الخطوات التي تركوها على تراب الوطن دليلًا لمن يأتي بعدهم.
فليس كل من غاب غائبًا…
بعضهم يتحول إلى وطنٍ يسكن القلوب.
رحم الله اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر “مستر هجوم 77″، ورحم الله شهداء الوطن جميعًا، أولئك الذين بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الأرض والإنسان، وجعل ذكراهم عهدًا بأن يبقى السودان موحدًا، وأن تُصان كرامة الإنسان، وأن يكون السلام ثمرةً تليق بكل تلك التضحيات.
ونسأل الله عاجل الشفاء للجرحى والمصابين، وأن يمنحهم القوة والعافية، وأن يجبر قلوب أسرهم، وأن يكتب لوطننا طريقًا نحو التعافي والاستقرار.
سلامٌ إلى أرواحٍ ارتقت وهي تحمل الوطن في قلوبها…
وسلامٌ إلى كل من صبر وتحمل وانتظر عودة الحياة إلى أرضه…
وسلامٌ إلى كل من كتب بجهده وتضحياته صفحةً من تاريخ السودان، فبقي أثره شاهدًا في ذاكرة الوطن.
…..توقيع
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد…
أنا امرأةٌ من حبرِ النار.
إذا رحلَ الفرسانُ، بقيتِ الحكاياتُ تشهدُ أنَّ الوطنَ لا ينسى أبناءه، وأنَّ الأوفياءَ لا يغيبون… بل يبقون أثرًا لا تمحوه الأيام، ونورًا تهتدي به الأوطان قبل الأجيال.
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
عبير نبيل محمد✒️
