الإثنين, يوليو 27, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة الصندوق القومي لرعاية الطلاب… حين تنتصر إرادة الإعمار على شح الموارد

عندما اندلعت الحرب ، لم تكن داخليات الصندوق القومي لرعاية الطلاب بمنأى عن التخريب والنهب الذي طال مؤسسات الدولة ، فقد تعرضت عشرات الداخليات والمدن الجامعية لدمار واسع أفقدها مقومات السكن الأساسية ، حتى تحولت كثير من المباني إلى هياكل خالية بعد أن امتدت إليها يد المليشيا ، فنهبت محتوياتها وأتلفت مرافقها وشبكاتها الخدمية.

لم يقتصر الضرر على المقتنيات والمرافق ، بل طال جسم المباني وهياكلها الإنشائية ، كما تعرضت الداخليات لعمليات نهب كاملة لم تُبقِ على شيء ، حتى مفاتيح الكهرباء لم تسلم من السرقة ، وهو ما يؤكد أن ما حدث لم يكن تخريباً عرضيًا ، وإنما تدميراً ممنهجًا استهدف كل ما يمكن أن يعيد الحياة إلى هذه المنشآت.

وأمام هذا الواقع ، لم يقف الصندوق القومي لرعاية الطلاب عند حدود رصد حجم الدمار ، بل انتقل إلى مرحلة الفعل ، معتمداً نظام الوثبات في إعادة الإعمار ، وهو منهج يقوم على تنفيذ أعمال التأهيل وإعادة التأسيس بصورة متدرجة وفق الإمكانات المتاحة وحجم الأضرار ، بحيث تعود الداخليات إلى الخدمة تباعاً دون انتظار اكتمال العمل في جميع المواقع ، مع استمرار الوثبات كلما اقتضت متطلبات إعادة الإعمار ذلك.

وقد نجحت الوثبة الأولى في إعادة افتتاح داخليات الشهيد علي عبد الفتاح ، والخنساء للطالبات ، والوليد للطلاب بمدينة أم درمان ، باعتبارها أولى مدن ولاية الخرطوم التي شهدت عودة الجامعات بعد تطهيرها من دنس المليشيا ، لتعلن بذلك بداية عودة السكن الطلابي ، وتؤكد أن إعادة الإعمار ليست شعاراً ، وإنما إنجازاً يتحقق على أرض الواقع.

أما الوثبة الثانية ، التي يستعد الصندوق لافتتاحها خلال الأيام المقبلة ، فتشمل داخليات نفيسة جنكور ، وسعاد طمبل بالخرطوم ، وعاطف التيجاني ، والشهيد أبو دجانة ، والشهيد عبد السلام علي ، وداخلية خديجة ببحري ، وداخلية الفاتح حمزة بأم درمان ، ومع اكتمال هذه المرحلة ستزداد الطاقة الاستيعابية للسكن الطلابي ، وستقترب ولاية الخرطوم من استعادة جزء مهم من بنيتها السكنية المخصصة للطلاب.

من المنتظر بعد الفراغ من أعمال الوثبة الثانية ، أن يشرع الصندوق في الوثبة الثالثة ، التي ستستهدف عدداً من داخليات الخرطوم التي ما زالت خارج الخدمة بسبب حجم الأضرار التي لحقت بها ، على أن تتواصل الوثبات بعد ذلك وفق متطلبات إعادة الإعمار حتى تستعيد بقية الداخليات جاهزيتها لاستقبال الطلاب.

غير أن المتابع لحجم العمل المنجز يدرك أن وصفه بـ”إعادة التأهيل” لا يعكس الحقيقة كاملة ، فما جرى في هذه الداخليات يتجاوز أعمال الصيانة المعتادة ، لأن المباني تصدعت وفقدت الأثاث والأجهزة ، ودُمرت شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي ، وأُتلفت الأبواب والنوافذ والمرافق المختلفة ، لذلك فإن ما ينفذه الصندوق هو، في حقيقته، إعادة تأسيس لهذه المنشآت أكثر من كونه ترميماً لها ، فالفارق بين الصيانة وإعادة البناء هو حجم ما فقدته هذه الداخليات خلال الحرب.

ولا تقتصر أهمية هذه الوثبات على إعادة فتح المباني ، بل تمتد إلى إعادة الاستقرار للحياة الجامعية نفسها ، فالسكن الطلابي يمثل أحد أهم مقومات استمرار الدراسة ، خاصة للطلاب القادمين من الولايات ، وعودته تعني تخفيف الأعباء المعيشية ، وتهيئة بيئة مناسبة للتحصيل العلمي ، ودعم الجامعات لاستعادة رسالتها الأكاديمية.

لقد أثبت الصندوق القومي لرعاية الطلاب أن الإرادة ، متى ما اقترنت بحسن الإدارة وترتيب الأولويات ، قادرة على تجاوز شح الموارد وتحويل التحديات إلى فرص للإنجاز ، فما تحقق حتى الآن لم يكن نتاج وفرة الإمكانات ، وإنما ثمرة عزيمة لم تتوقف أمام الدمار ، ورؤية جعلت من كل وثبة خطوة جديدة نحو استعادة السكن الطلابي.

إن الحرب قد تهدم الحجر ، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة البناء ، وتجربة الصندوق القومي لرعاية الطلاب تقدم اليوم نموذجاً عملياً يؤكد أن المؤسسات الحية لا تستسلم للأزمات ، بل تصنع منها بداية جديدة ، وحين تنتصر إرادة الإعمار على شح الموارد ، يصبح الأمل مشروعاً يُبنى ، لا مجرد أمنية تُنتظر… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات