في المجتمعات التي تقاس إنسانيتها بمدى وفائها لكبارها لا تمثل رعاية كبار السن فاقدي الرعاية الأسرية خدمة اجتماعية فحسب، بل تعد اختباراً حقيقياً لمدى نضج منظومة الحماية الاجتماعية وقدرتها على صَون الكرامة الإنسانية، ومن هذا المنطلق جاءت الورقة العلمية التي قدمتها وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بعنوان “رعاية كبار السن فاقدي الرعاية الأسرية” ضمن أعمال ورشة الرؤية الفنية لتطوير دور الإيواء وأنظمة الرعاية الاجتماعية لتفتح نقاشاً عميقاً حول مستقبل الرعاية الإجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب.
لم تتوقف الورقة عند تشخيص الواقع بل قدمت رؤية تنطلق من قناعة بأن كبار السن ليسوا عبئاً على المجتمع وإنما يمثلون ذاكرته الحية وخبراته المتراكمة، لذا فإن أي مشروع لإعادة بناء المجتمع لا يمكن أن يكتمل دون إعادة الاعتبار لهذه الشريحة وتوفير منظومة رعاية تجعلهم يشعرون بالأمان والإنتماء لا بالعزلة أو الانتظار
ومن خلال استعراض الورقة للتحديات التي تواجه دور الإيواء دعت الورقة إلى تجاوز المفهوم التقليدي للرعاية القائم على توفير المأوى والغذاء لنموذج أكثر شمولاً يضع الإنسان في قلب العملية الاجتماعية ويعتمد على الرعاية الصحية والنفسية والدعم الاجتماعي إلى جانب الأنشطة التي تمنح كبار السن الإحساس بقيمتهم ودورهم داخل المجتمع.
وفي رأيي إن أهم ما ميز هذه الورقة أنها لم تتعامل مع دور الإيواء باعتبارها نهاية المطاف وإنما أحدى حلقات منظومة حماية اجتماعية أوسع تتطلب مشاركة الأسرة والمجتمع والدولة ومنظمات العمل الطوعي، فكلما نجحت هذه الشراكة أصبحت مؤسسات الرعاية أقل ازدحاماً وأكثر قدرة على تقديم خدمات نوعية لمن هم في أمس الحاجة إليها
كما حملت الورقة رسالة واضحة مفادها أن تطوير مؤسسات الرعاية لا يبدأ بإعادة تأهيل المباني وحدها بل يبدأ ببناء الإنسان الذي يقدم الخدمة وتحديث اللوائح المنظمة للعمل بجانب رفع كفاءة الكوادر وتبني معايير جودة تضمن أن يعيش كبير السن في بيئة تحفظ كرامته وتمنحه الشعور بأنه ما زال جزءاً فاعلاً بالمجتمع
هذه الرؤية تتسق تماماً مع الحراك الذي تقوده وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم لتطوير دور الإيواء وأنظمة الرعاية الاجتماعية باعتبارها أحد مرتكزات التعافي المجتمعي وإعادة بناء الإنسان قبل البنيانرخاصة في ظل ما أفرزته الحرب من تحديات اجتماعية تستدعي حلولاً علمية ومستدامة وإن الرسالة الأهم التي خرجت بها الورقة تتمثل في أن رعاية كبار السن ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة بعينها وإنما هي مسؤولية مجتمع بأكمله، فالمجتمعات التي تُكرم كبارها وتحفظ لهم مكانتهم هي المجتمعات الأقدر على صناعة مستقبل أكثر تماسكاً وإنسانية لأن الوفاء لمن صنعوا الأمس هو الطريق الأمثل لبناء الغد ،،،،،
