لم نكن نتمنى أن نكبر بهذه السرعة، ولم نكن نعلم أن الحياة ستأتي بنا ليومٍ نقف فيه في الصف الأول بعد أن كان أمامنا أبٌ وجد واعمام نستند إليهم، وجده ندفئ قلوبنا بحنانها، وكبارٌ يحملون عنا هموم القرار ومسؤولية الأسرة.
واليوم… رحل أبي ورحل جددي ورحلت جدتي ورحل اعمامي ورحل خيلاني ورحل اخي عليهم الرحمه جميعا ، وغابت عنا تلك الوجوه التي كانت تجمعنا، فإذا بنا نحن كبار العائلة. لا لأننا اخترنا ذلك، بل لأن الزمن اختاره لنا.
صرنا نستقبل الناس في الأفراح والأتراح، ونحاول أن نجبر الخواطر، ونصلح بين الإخوة، ونحافظ على ما تركه الآباء من محبة ووحدة. نبتسم أمام الجميع، بينما في داخلنا حنين لا ينتهي إلى أولئك الذين كانوا إذا حضروا شعرنا بأن الدنيا بخير.
أن تصبح من كبار العائلة يعني أن تخفي دموعك حتى لا يضعف غيرك، وأن تتحمل مسؤوليات قد تفوق طاقتك، وأن تشعر بأن كل خطأ قد يهز بيتًا كاملًا، وكل كلمة منك قد تجمع القلوب أو تفرقها. إنها مسؤولية لا يعرف ثقلها إلا من حملها.
والله نشتاق إلى الأيام التي كنا نقول فيها: “اسألوا جدي”… “دعوا ابي يقرر”… او ارجعوا إلي اخي أما اليوم فقد أصبح الجميع ينظر إلينا، وينتظر رأينا، ويطلب موقفنا، وكأن الزمن سلّمنا الأمانة دون أن يسألنا إن كنا مستعدين لها ام لا .. رحم الله من كانوا سقفًا للعائلة، وظلًا نستظل به، وركنًا نلجأ إليه عند الشدائد. واليوم لا نملك إلا أن ندعو لهم، وأن نحاول أن نحفظ إرثهم، وأن نبقي العائلة متماسكة كما كانوا يتمنون.
اللهم أعنّا على حمل هذه الأمانة، وارحم من سبقونا اليها واجعلنا امتدادًا طيبًا لهم، ولا تجعل الدنيا تفرق بين الإخوة بعد أن جمعتهم محبة الآباء. فما أصعب أن تصبح كبير العائلة، وما أجمل أن تكون على قدر هذه المسؤولية، محافظًا على صلة الرحم، وجابرًا للخواطر، وصانعًا للمحبة، حتى يأتي يوم نسلم فيه الأمانة لمن بعدنا كما تسلمناها ممن قبلنا
دمتم دوما بخير .
