الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالوفاء من أهل العطاء… ألكسندر كفوري يعيد الجميل للخرطوم ...

الوفاء من أهل العطاء… ألكسندر كفوري يعيد الجميل للخرطوم كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد

saeed.abuobida5@gmail.com
وسط الدمار الذي خلفته الحرب، تأتي بعض الأخبار لتمنح الناس جرعة من الأمل، وتؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن الأوطان لا تبنى بالحكومات وحدها، وإنما تبنى أيضًا بأهل المبادرات والعطاء.
ومن هذه الأخبار السعيدة إعلان وزارة الصحة الاتحادية عن إعادة تأهيل مستشفى الشعب التعليمي بتمويل من أسرة عزيز كفوري، ممثلة في رجل الأعمال ألكسندر عزيز كفوري. وهي مبادرة تستحق التقدير، ليس فقط لأنها ستعيد الحياة إلى واحد من أهم المستشفيات في السودان، ولكن لأنها تحمل رسالة وفاء لوطن احتضن هذه الأسرة لأكثر من مائة وعشرين عامًا.
ولأن الوفاء يبدأ برد الجميل لأصحابه، فمن حق الأجيال الجديدة أن تعرف من هو عزيز كفوري.
ينحدر عزيز كفوري من أصول لبنانية، لكنه عندما وصل إلى السودان عام 1899 لم ينظر إليه كمحطة مؤقتة، بل كوطن اختاره ليعيش فيه ويعمل من أجله. جاء في وقت كانت فيه الخرطوم تعيد بناء نفسها، فساهم في إعادة إعمارها من خلال تجارة الأخشاب ومواد البناء، وشارك في تشييد العديد من المباني التي أصبحت جزءًا من ملامح العاصمة الحديثة.
ولم يتوقف عطاؤه عند البناء، بل اتجه إلى الزراعة واستصلاح الأراضي، وكان من رواد الإنتاج الزراعي والحيواني الحديث في السودان. فقد أسس مزرعة حديثة للدواجن، كما أنشأ مزرعة متطورة للألبان ضمت نحو ألفي بقرة من سلالة الفريزيان المستوردة، والتي كانت تمد العاصمة بالحليب ومنتجاته وفق أحدث أساليب الإنتاج في ذلك الوقت، لتصبح نموذجًا رائدًا في صناعة الألبان بالسودان.
وكان عزيز كفوري يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق فرص العمل وينتج الغذاء ويسهم في تنمية المجتمع، ولذلك لم تكن مشروعاته مجرد أعمال تجارية، بل مؤسسات إنتاجية استفاد منها آلاف السودانيين. كما كان من مؤسسي الغرفة التجارية السودانية، وتولى رئاستها، وأسهم في دعم الحركة التجارية والاقتصادية في البلاد.
ومن الطريف أن السودانيين اشتهروا بنطق اسم الأسرة “كافوري”، بينما الاسم الأصلي هو “كفوري”، حتى أصبح الحي الذي نشأ على أرض مزرعته يحمل اسم كافوري، ليبقى الاسم شاهدًا على رجل أحب السودان حتى أصبح جزءًا من تاريخه.
واليوم، وبعد أكثر من ثمانين عامًا على رحيل عزيز كفوري، يعود الحفيد ألكسندر عزيز كفوري ليواصل المسيرة. فإذا كان الجد قد شارك في إعادة بناء الخرطوم في بدايات القرن الماضي، فإن الحفيد يشارك اليوم في إعادة إعمارها بعد الحرب، من خلال إعادة تأهيل مستشفى الشعب، في رسالة تؤكد أن قيم الوفاء والعطاء لا تموت، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل.
واختيار مستشفى الشعب يحمل دلالة كبيرة، فهو ليس مجرد مبنى، بل مؤسسة عريقة ارتبطت بعلاج ملايين السودانيين، وبتخريج أجيال من الأطباء، وظلت لعقود أحد أهم الصروح الطبية في البلاد. وإعادة تأهيله تعني إعادة الأمل لآلاف المرضى والأسر، وإحياء مؤسسة ظلت جزءًا من ذاكرة السودانيين.
إن مبادرة ألكسندر كفوري تقدم نموذجًا يستحق أن يحتذى به. فالخرطوم اليوم لا تحتاج إلى مبادرة واحدة، وإنما إلى عشرات المبادرات. تحتاج إلى رجال أعمال يتبنون إعادة تأهيل المستشفيات، والمدارس، والجامعات، ومحطات المياه والكهرباء، والجسور، والطرق، وكل ما أعادته الحرب سنوات إلى الوراء.
ولكي تتوسع هذه المبادرات، فإن المطلوب أن يخصص مجلس الوزراء نافذة موحدة لإعادة الإعمار، تكون الجهة الرسمية لاستقبال مبادرات رجال الأعمال والشركات والمؤسسات الوطنية والخيرية، وتعمل على تسهيل الإجراءات، والتنسيق مع الجهات المختصة، ومتابعة التنفيذ حتى ترى هذه المبادرات النور.
ولا يقتصر دور هذه النافذة على استقبال المبادرات، بل يمكنها أيضًا إعداد قائمة بالمشروعات ذات الأولوية وطرحها أمام رجال الأعمال، بحيث يستطيع كل من يرغب في المساهمة أن يختار المشروع الذي يريد دعمه، وهو يعلم أن مساهمته ستصل إلى المكان الصحيح، وستحقق أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين.
وكما يقول المثل السوداني: “الجو يساعدوه في حفر قبر أبوه… دسَّ المحافير.” فلا ينبغي أن نضع العراقيل أمام من جاء ليقدم يد العون، بل علينا أن نفتح له الأبواب، ونيسر له الإجراءات، لأن الوطن اليوم في حاجة إلى كل مبادرة صادقة، وكل يد تمتد للبناء.
لقد أحب عزيز كفوري السودان رغم أنه لم يولد فيه، فشارك في إعادة بناء الخرطوم، وأسهم في تطوير التجارة والزراعة والإنتاج الحيواني، حتى أصبح اسمه جزءًا من تاريخ العاصمة. واليوم يواصل حفيده ألكسندر هذا النهج بمبادرة تستحق كل الإشادة.
إن أجمل وفاء لهذه الأسرة، ولكل من يقدم الخير لهذا الوطن، هو أن نجعل من مبادرة ألكسندر كفوري بداية لمرحلة جديدة، تتسابق فيها الأيادي البيضاء لإعادة بناء السودان، لأن الأوطان لا ينهض بها فرد واحد، وإنما تنهض عندما يصبح العطاء ثقافة، والوفاء مسؤولية، والعمل من أجل الوطن شرفًا يتنافس عليه الجميع.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات