حديث الجمعة
بقلم: م. الصادق عباس نجّار
مرّ ما يقارب العام، يزيد قليلًا أو ينقص، منذ انطلاق أولى برامج العودة الطوعية للسودانيين، ولا سيما من جمهورية مصر العربية التي استضافت أكبر موجة نزوح سوداني خلال الحرب. وخلال هذه الفترة بُذلت جهود مقدّرة لإعادة الحياة إلى المدن المتضررة، خاصة في ولاية الخرطوم، حيث شُكِّلت لجان لإعادة تهيئة البيئة، وأزيلت آثار الحرب تدريجيًا، وأُعيد تشغيل خدمات الكهرباء والمياه وغيرها من الخدمات الأساسية وفق الإمكانات المتاحة.
في تلك المرحلة، كان التركيز منصبًا على إعادة الخدمات إلى المناطق التي عاد إليها أكبر عدد من السكان. وقد يكون هذا النهج أصاب في بعض المواقع وأخطأ في أخرى، لكنه كان استجابة عملية لظروف استثنائية فرضتها محدودية الموارد والحاجة إلى تحقيق أكبر أثر ممكن في أقصر وقت.
اليوم، يبدو أن المشهد بدأ يتغير. فالتعافي الحضري لم يعد يقف عند حدود الاستجابة الطارئة، بل بدأ يدخل مرحلة إعادة البناء، وهي مرحلة تستدعي مراجعة الأولويات ومعايير اتخاذ القرار.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى زيادة أعداد العائدين بقدر ما تحتاج إلى عودة نوعية تعيد للمدينة وظائفها الأساسية، وتعيد للدولة قدرتها على إدارة الحياة اليومية بكفاءة.
فالمدينة لا تستعيد عافيتها بمجرد ارتفاع عدد سكانها، وإنما حين تستعيد قدرتها على العمل والإنتاج والخدمة.
عودة الطبيب تعني مستشفى يعمل بكامل طاقته، وعودة المعلم تعني مدرسة تستعيد انتظامها، وعودة القاضي تعني ترسيخ العدالة، وعودة الموظف تعني انتظام المؤسسة، وعودة المستثمر تعني تحريك عجلة الاقتصاد، وعودة التاجر تنعش الأسواق، بينما تعيد عودة أصحاب المهن والحرف للمدينة قدرتها الطبيعية على الإنتاج وتقديم الخدمات.
من هنا، تبدو الحاجة إلى برنامج وطني للعودة النوعية يستهدف الكفاءات والقطاعات الأكثر تأثيرًا في دورة الحياة الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، مع توفير البيئة التي تساعدها على الاستقرار والعمل والإنتاج، لا الاكتفاء بعودتها إلى مواقعها الجغرافية.
وفي الوقت نفسه، تستدعي المرحلة إعادة النظر في أولويات تهيئة البيئة الحضرية. فالكثافة السكانية ستظل معيارًا مهمًا في ترتيب الأولويات، لكنها لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد. فهناك مناطق قد لا تضم اليوم أكبر عدد من السكان، لكنها تمثل القلب الاقتصادي والإداري للدولة، وإعادة تشغيلها تنعكس آثارها على المدينة كلها.
فمناطق المال والأعمال، والمراكز الحكومية، والأسواق الرئيسة، والمناطق الصناعية والخدمية، ليست مجرد أحياء داخل المدينة، بل هي محركات للنشاط الاقتصادي. وكل خطوة في إعادة تأهيلها تعني تشجيع الاستثمار، وخلق فرص عمل، وزيادة الإيرادات، وتعزيز ثقة الأسر في اتخاذ قرار العودة والاستقرار.
ولذلك، ربما أصبح السؤال الأهم في هذه المرحلة:
ما الذي يعيد تشغيل المدينة؟
وليس فقط:
أين عاد أكبر عدد من السكان؟
ومن هنا يبرز مفهوم أوسع لإعادة الإعمار. فإعادة الإعمار لا تعني إعادة المدينة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لأن كثيرًا من أوجه القصور سبقت الحرب نفسها. وإنما تعني استثمار هذه اللحظة لبناء مدينة أكثر كفاءة، وبنية حضرية أكثر استدامة، واقتصاد حضري أكثر إنتاجًا، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات المستقبل.
إنها فرصة لتصحيح المسار، لا لاستنساخ الماضي.
ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فقط، بل مشروع لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين المؤسسات والموارد، وبين التخطيط والتنفيذ، بما يهيئ مدنًا أكثر قدرة على الصمود والإنتاج وجودة الحياة.
لقد أدّت برامج العودة الطوعية دورًا مهمًا في فتح باب الرجوع، وأسهمت جهود إعادة الخدمات في تثبيت الوجود السكاني. أما اليوم، فقد آن الأوان للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا، تُدار فيها العودة باعتبارها مشروعًا للتعافي الاقتصادي والمؤسسي، لا مجرد حركة انتقال للسكان.
فالخرطوم، وسائر المدن السودانية المتأثرة بالحرب، لن تستعيد عافيتها عندما يعود جميع سكانها فحسب، وإنما عندما تستعيد مؤسساتها نشاطها، وتدب الحياة في أسواقها، وتنتظم مدارسها ومستشفياتها، وتعود مراكز الإنتاج إلى العمل، وتستقطب كفاءاتها الوطنية للمشاركة في قيادة التعافي والتنمية.
إن الانتقال من العودة العددية إلى العودة النوعية ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل تحول في فلسفة إدارة مرحلة ما بعد الحرب؛ انتقال من قياس النجاح بعدد العائدين، إلى قياسه بقدرة المدن على استعادة وظائفها، وتحريك اقتصادها، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتهيئة بيئة حضرية قادرة على النمو والاستدامة.
تلك هي العودة التي تستحق أن تكون عنوان المرحلة المقبلة.
فالعودة النوعية ليست مجرد عودة أشخاص إلى أماكنهم، بل عودة المدينة إلى أداء دورها، وعودة الدولة إلى ممارسة وظائفها بكفاءة، وعودة المجتمع إلى إنتاج مستقبله بثقة.
العودة النوعية… بوابة إعادة الإعمار التي لا تعيدنا إلى ما كنا عليه، بل تقودنا إلى ما ينبغي أن نكون عليه.
م. الصادق عباس نجّار
